يشهد المشهد السوداني المعقد حراكاً ميدانياً وسياسياً جديداً يعكس محاولات جادة لكسر حالة الجمود الراهنة. وفي هذا السياق، تبرز خطوة تنظيم لجان المقاومة عبر إطلاق حملة تحت شعار “اختانا” كتحول لافت في استراتيجيات قوى الثورة. تأتي هذه الحملة لتؤكد إصرار الشارع الحي على استعادة زمام المبادرة ورفض مسار الحرب والشمولية، لا سيما في ظل الانتقادات الحادة التي يواجهها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان والطبقة السياسية المتحالفة معه.
إن إطلاق حملة “اختانا” ليس مجرد شعار عابر، بل هو تعبير عميق عن السخط الشعبي المتصاعد ضد استمرار النزاع المسلح وما أسفر عنه من دمار هائل، وتدهور مريع في الأوضاع المعيشية والإنسانية، وغياب أبسط مقومات الأمن. فاللجان، التي شكلت العمود الفقري للحراك الشعبي منذ ثورة ديسمبر المجيدة، تدرك تماماً أن بقاء السلطة الحالية، سواء برأسها العسكري أو بواجهاتها المختلفة، يعني استمرار دوامة العنف وضياع مستقبل البلاد. ومن هنا يأتي الرفض القاطع لكل محاولات إعادة تدوير الأزمة أو شرعنة الانقلابات العسكرية تحت أي مسمى.
تعتمد الحملة في جوهرها على تنظيم الصفوف وإعادة بناء الجسور بين القواعد الثورية في مختلف الأحياء والمدن، بهدف توحيد الجهود الشعبية السلمية لإسقاط البرهان ورموز نظامه. إنها دعوة صريحة لمفاصلة تامة مع الماضي، ورفض أي تسويات هشة قد تُبقي على العسكر في سدة الحكم. فالشارع السوداني، الذي دفع أثماناً باهظة من أرواح شبابه وسلامة مواطنيه، بات أكثر وعياً بضرورة بناء دولة مدنية ديمقراطية خالصة لا مكان فيها لهيمنة العسكر أو حلفائهم من الإسلاميين.
ومع ذلك، تواجه هذه الخطوة تحديات جسيمة على أرض الواقع؛ أبرزها القمع المنهجي، والظروف الأمنية القاسية التي فرضتها حالة الحرب المستمرة، فضلاً عن محاولات اختراق الصف الثوري وتشتيت جهوده. لكن تجارب التاريخ القريب تثبت أن إرادة الشعوب الحية قادرة دائماً على ابتكار أدوات جديدة للمقاومة السلمية تتجاوز كل العقبات.
في الخلاصة، تمثل حملة “اختانا” بصيص أمل ونقطة تحول هامة نحو توحيد الرؤى الثورية. إنها تذكير عملي بأن الثورة مستمرة، وأن الرفض الشعبي للبرهان وسلطته لم يعد مجرد شعارات ترفع، بل تحول إلى خطط تنظيمية واضحة المعالم تسعى إلى إسقاط منظومة الحرب والخراب، وفتح الطريق أمام سودان جديد ينعم بالحرية والعدالة والسلام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.