وداعاً سفير الأغنية الكردفانية: مسيرة الدكتور عبد القادر سالم

أم درمان: عين الحقيقة

طويت اليوم صفحة ناصعة من تاريخ الفن السوداني برحيل الموسيقار والباحث الدكتور عبد القادر سالم، الذي وافته المنية في منزله بمدينة أم درمان (حي بانت) يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025. يغادرنا جسدُه ويبقى صوته وفكره، بعد أن كرّس حياته لتوثيق وتطوير التراث الموسيقي السوداني، ونقله من المحلية الضيقة إلى فضاءات عالمية.

النشأة والتكوين: من “الدلنج” بدأت الحكاية
وُلد عبد القادر سالم بمدينة الدلنج في ولاية جنوب كردفان، وهي منطقة غنية بالتنوع الثقافي والإثني. هذه البيئة شكلت وعيه الموسيقي المبكر، حيث تفتح على إيقاعات جبال النوبة وسهول السودان الغربية.
بدأ حياته المهنية معلّمًا، ما أكسبه قدرة على البحث والدقة، قبل أن يقرر التفرغ للموسيقى والانتقال إلى العاصمة الخرطوم حاملاً معه كنوز التراث المحلي.

المشروع الفني: جسر بين التراث والحداثة
أسس سالم مدرسة موسيقية متفردة، إذ لم يقتصر على الغناء الشعبي التقليدي، بل عمل على تهذيبه وتوزيعه موسيقيًا:

إيقاع المردوم: الأب الشرعي لنقل إيقاع “المردوم” من ساحات الرقص الشعبي إلى الأوركسترا الحديثة.

المزج الموسيقي: دمج الآلات الغربية مثل الكمان والساكسفون مع الإيقاعات المحلية، وصاغ ألحانًا تعتمد على السلم الخماسي بتوزيع موسيقي متطور، مما جعل أغانيه مفهومة للأذن العالمية.

الفنان الأكاديمي والباحث
كان سالم باحثًا نهمًا:

تخرج بامتياز من المعهد العالي للموسيقى والمسرح.

نال درجة الدكتوراه في الموسيقى من جامعة السودان وجامعات خارجية، مركّزًا في أطروحاته على أنماط الغناء في كردفان.

ترك مؤلفات وأوراقًا بحثية تُعد اليوم مراجع أساسية لطلاب الموسيقى.

أبرز الأعمال الخالدة
تنوعت أعماله بين الغناء العاطفي والوطني والطبيعة، ومن أبرزها:

مكتول هواك يا كردفان: أيقونة وطنية تصف جمال الطبيعة في فصل الخريف.

ليمون بارا: الأغنية الأشهر عالميًا بإيقاع راقص ومبهج.

اللوري حلّ بي: توثيق لحياة السفر والترحال في السودان.

باسم عني ابعد: أغنية عاطفية راقية.

حليوة يا بسامة وقمر السبعة.

سفير السودان في موسيقى العالم.. مثل الراحل السودان خير تمثيل في المحافل الدولية:

شارك في مهرجانات World Music في بريطانيا، فرنسا، إسبانيا، واليابان.

وصفته الصحافة الأوروبية بأنه الصوت القادم من الصحراء والسهول، وأسهم في وضع السودان على خارطة الموسيقى الأفريقية الحديثة.

استخدم موسيقاه لتعزيز السلام والتعايش، خاصة في مناطق النزاعات.

لم ينعزل عن الشأن العام: شغل منصب رئيس اتحاد المهن الموسيقية لدورات متعددة.. دافع عن حقوق الفنانين وسعى لتطوير قوانين الملكية الفكرية.

عرف بتواضعه وأخلاقه العالية، جامعًا حوله كل الأطياف الفنية.. الرحيل الصامت في زمن الحرب
اختار عبد القادر سالم البقاء في منزله بأم درمان رغم ويلات الحرب في السودان، في رسالة صمود ووفاء للمكان. برحيله، يخسر السودان واحدًا من آخر العمالقة الذين ربطوا بين جيل الرواد والشباب، تاركًا إرثًا موسيقيًا ودراسيًا سيظل حيًا للأجيال القادمة.

قد تغيب شمس الجسد، لكن شمس الإبداع لا تغيب. سيظل صوت عبد القادر سالم يصدح مع كل زفة خريف في كردفان، ومع كل دقة ‘نوبة’، ومع كل حنين يعتصر قلوب السودانيين للوطن والجمال.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.