حكومة السلام والوحدة «التأسيس» ومستقبل الدولة السودانية
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس التجارب السياسية بعمرها الزمني، بل بقدرتها على طرح الأسئلة الصحيحة في الوقت المناسب، وبمدى استعدادها لمواجهة جذور الفشل لا مظاهره. وفي السياق السوداني، حيث تراكبت الأزمات وتداخلت مسارات الحرب والسياسة والدولة، تبرز حكومة السلام والوحدة «التأسيس» كمحاولة واعية لإعادة تعريف فكرة الحكم، والانطلاق من سؤال الدولة قبل سؤال السلطة.
فالمسألة، في جوهرها، لم تعد تتعلق بتغيير حكومات أو إعادة توزيع مناصب، بقدر ما تتصل بإعادة بناء دولة اختلّ توازنها البنيوي، وتآكلت وظائفها الأساسية، وانفرط عقدها الاجتماعي على امتداد عقود طويلة.
سياق حكومة السلام والوحدة «التأسيس»:
حين تصبح أزمة الدولة أعمق من صراع السلطة
لم تنشأ حكومة التأسيس في ظرف سياسي عادي، بل في لحظة تاريخية اتسمت بانهيار شبه كامل لمفهوم الدولة المركزية، وتراجع قدرتها على فرض القانون، وتقديم الخدمات، وصيانة السلم الاجتماعي. وقد كشفت التجربة السودانية المتكررة أن الصراع لم يكن يومًا محصورًا في من يحكم، بل في كيفية الحكم، وفي غياب نموذج دولة قادر على استيعاب التنوع وإدارة الخلاف دون عنف.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم حكومة التأسيس بوصفها استجابة سياسية لفشل نموذج الدولة القديم، لا مجرد حلّ مرحلي لإدارة أزمة آنية. فهي تطرح نفسها كمشروع لإعادة النظر في علاقة المركز بالأقاليم، وفي توزيع السلطة والثروة، وفي دور المجتمع في صناعة القرار، وهي قضايا ظلّ تجاهلها سببًا مباشرًا لتجدّد الصراع.
فلسفة التأسيس:
الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة
ما يمنح مشروع حكومة التأسيس أهميته النظرية هو محاولته الانتقال من منطق «إدارة الأزمة» إلى منطق «بناء الدولة». ففي التجارب السابقة، غالبًا ما انصبّ الجهد السياسي على احتواء اللحظة، دون معالجة الأسباب التي أنتجتها.
تضع الحكومة السلام في موقعه الصحيح: ليس كغاية تفاوضية، بل كأساس بنيوي لبناء الدولة. فالدولة التي تعجز عن احتكار السلم الاجتماعي، وعن معالجة جذور العنف، تظل كيانًا هشًا مهما بدت مؤسساتها قائمة.
وفي هذا الإطار، يبرز خيار التحول الديمقراطي الفدرالي كأداة لإدارة التنوع، لا كشعار سياسي. فالفدرالية، وفق هذا التصور، ليست تفكيكًا للوحدة، بل إعادة تنظيم لها على أسس أكثر عدالة وواقعية، بما يحدّ من مركزية القرار، ويمنح الأقاليم دورًا حقيقيًا في إدارة شؤونها.
القيادة وتوازن الأدوار:
معادلة دقيقة بين القوة والمؤسسية
لا يمكن لأي مشروع تأسيسي أن يُعزل عن طبيعة القوى التي تتولى قيادته. وفي حالة حكومة التأسيس، يفرض تداخل الأدوار بين القيادات العسكرية والسياسية والمدنية معادلة معقدة، تتطلب إدارة دقيقة للتوازنات.
يتمثل التحدي الجوهري في تحويل القوة العسكرية من عامل صراع إلى عامل استقرار، ومن أداة فرض إلى ضمانة انتقال. وهو تحدٍّ لا يتحقق إلا إذا اقترن النفوذ الميداني بإرادة سياسية واضحة لبناء مؤسسات مدنية فاعلة.
وفي المقابل، تتحمّل الحكومة المدنية مسؤولية مركزية في ترجمة الخطاب التأسيسي إلى سياسات عامة، وهياكل إدارية، وتشريعات تعكس مفهوم الدولة لا منطق الغلبة، وتُرسّخ مبدأ الكفاءة والمساءلة بوصفه أساس الحكم.
الإدارات الأهلية:
إعادة وصل الدولة بالمجتمع
من النقاط المفصلية في مشروع حكومة التأسيس إعادة الاعتبار للإدارات الأهلية، ليس باعتبارها بديلًا عن الدولة، بل كجسر بينها وبين المجتمع. ففي السياق السوداني، حيث لعبت هذه الإدارات دورًا تاريخيًا في إدارة النزاعات المحلية، يصبح تجاهلها خطأً بنيويًا.
غير أن إدماج الإدارات الأهلية في مشروع التأسيس يظل سلاحًا ذا حدّين: فإما أن يتحول إلى شراكة مؤسسية تعزز السلم المجتمعي، أو ينزلق إلى توظيف سياسي يُفقد هذه الإدارات استقلالها ومصداقيتها. وهنا يبرز معيار الجدية: هل تُدمج هذه البُنى ضمن إطار قانوني واضح، أم تُستخدم كأدوات ظرفية؟
الفدرالية والتحول الديمقراطي:
من الخطاب إلى الاختبار
رغم حضور الفدرالية المستمر في الخطاب السياسي السوداني، إلا أن تطبيقها ظل محدودًا ومشوّهًا. وتضع حكومة التأسيس هذا الملف في قلب مشروعها، غير أن نجاحه يظل مرهونًا بالانتقال من الإعلان إلى التنفيذ.
فالفدرالية لا تُبنى بالتصريحات، بل عبر:
توزيع واضح للصلاحيات
تمكين مالي حقيقي للأقاليم
مؤسسات رقابية مستقلة
ثقافة سياسية تقبل التعدد وتدير الخلاف
ودون ذلك، تتحول الفدرالية إلى عنوان بلا مضمون، وتفقد قدرتها على معالجة جذور التهميش.
العدالة والحرية:
الشرعية الأخلاقية للمشروع
لا يمكن لأي مشروع تأسيسي أن يكتسب شرعيته دون معالجة ملف العدالة. فالدولة التي تطلب من مواطنيها طيّ صفحة الماضي دون الاعتراف بجراحه، تُراكم أسباب انفجار جديد.
تواجه حكومة التأسيس تحديًا بالغ الحساسية في هذا الملف، يتمثل في تحقيق توازن بين ضرورات السلام وحقوق الضحايا. وهو توازن لا يُقاس بالخطاب، بل بوضوح الآليات، وصدق الإرادة، وقدرة الدولة على قول الحقيقة قبل طلب المصالحة.
فرص الواقع:
بيئة مواتية لإعادة بناء الدولة
تعمل حكومة السلام والوحدة (التأسيس) في سياق وطني يوفّر، على خلاف ما قد يبدو للوهلة الأولى، فرصًا حقيقية لإعادة صياغة الدولة السودانية. فعلى المستوى الداخلي، أفرزت سنوات الصراع وعيًا مجتمعيًا متقدمًا بأهمية الاستقرار، وضرورة الانتقال من منطق الاحتراب إلى منطق البناء، وهو وعي يُعد رصيدًا سياسيًا واجتماعيًا يمكن البناء عليه.
كما أن تراجع الثقة في النماذج السابقة للحكم خلق مساحة جديدة لتقبّل مقاربات مختلفة، أكثر واقعية وشمولًا، في إدارة الدولة والعلاقة بين المركز والأقاليم. ويتيح هذا التحول في المزاج العام فرصة نادرة لإطلاق إصلاحات هيكلية تحظى بسند مجتمعي، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية واضحة ومعلنة.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن الاهتمام المتزايد باستقرار السودان، بوصفه عنصرًا محوريًا في أمن المنطقة، يفتح آفاقًا للتعاون والدعم، شريطة أن تُقدّم حكومة التأسيس نفسها كنموذج جاد لبناء دولة مستقرة وقابلة للشراكة.
التأسيس كاختبار تاريخي لا يحتمل التكرار
تمثل حكومة السلام والوحدة «التأسيس» لحظة اختبار حقيقية للدولة السودانية. فهي ليست مجرد تجربة سياسية جديدة، بل محاولة للإجابة عن سؤال ظلّ معلقًا طويلًا: كيف تُبنى دولة عادلة في مجتمع متنوع خرج من الحرب؟
الرهان كبير، والفرص متاحة. غير أن التاريخ السوداني يعلّمنا أن المشاريع الكبرى لا تنجح بالنوايا وحدها، بل بقدرتها على التحول إلى مؤسسات، وقواعد حكم، ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن.
وبينما يقف السودان على أعتاب مرحلة مفصلية، يبقى مصير حكومة التأسيس مرهونًا بقدرتها على عبور الفجوة بين الفكرة والتنفيذ، وبين الخطاب والواقع: فإما أن تؤسس لدولة قابلة للحياة، أو تُضاف إلى سجل المحاولات التي عرفت التشخيص، لكنها أخفقت في العلاج.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.