طيف أول:
والأشياء الصادقة لا تموت، تبقى زمنًا تنتقل من سمت الأرض إلى سمت السماء، إلى أن يحين وقت الزيف ويكون زهوقًا.
وكنا في 19 يناير، تعقيبًا على زيارة البرهان لتركيا، تحدثنا عن أن المصادر أكدت أن الاجتماعات التي حضرها البرهان مع تيارات إسلامية هناك لم تكن من أجل دعم الحرب، حيث باركت خيار السلام والعمل على وقف الحرب عبر التفاوض. وتم ذلك برعاية الرئيس رجب طيب أردوغان الذي تبنّى المبادرة ورعاها، وأجرى وقتها اتصالات هاتفية مع القيادة المصرية والسعودية من أجل إكمال الجهود الداعمة للخطوة، وحثّ البرهان على قبول خيار السلام.والبيان المشترك الذي أصدرته السعودية وتركيا قبل يومين، في ختام زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للمملكة ولقائه مع ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، كشف موقف تركيا الداعم للسلام .
وأكد الجانبان السعودي والتركي مواقفهما الثابتة والداعمة لوحدة السودان والمحافظة على أمنه واستقراره، ورفضا تشكيل أي كيانات غير شرعية أو موازية خارج إطار مؤسسات الدولة السودانية الشرعية، ومنع تدفق الأسلحة الخارجية وتحويل السودان إلى ساحة صراع، وضرورة الالتزام بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى جميع أنحاء السودان، وفقًا للقانون الدولي الإنساني وإعلان جدة الموقع بتاريخ 11 مايو 2023، وإطلاق عملية سياسية السودانيون من خلال إنشاء حكومة مدنية لا تشمل الجماعات المتطرفة والجهات التي ارتكبت جرائم بحق الشعب السوداني.وتوقيع أردوغان على بيان يدين فيه سلوك الجماعات الإسلامية المتطرفة على الأرض يعني أن تركيا رفعت يدها عن دعم الإسلاميين، وعدم اتخاذها إجراءات معلنة ضدهم يؤكد أن الذين يتخذون من بلاد أردوغان مقرًا لهم أعلنوا مرونة واضحة لقبول خيار السلام ووقوفهم ضد الحرب في السودان، حتى لو اتخذوا هذا الموقف الاستسلامي من أجل حماية مصالحهم واستثماراتهم في تركيا.
وتبقى أغلب القيادات التي لجأت إلى تركيا ملاحقة بتهم الفساد، ما يجعلها تفقد شرعيتها أمام قواعدها وبقية الشعب السوداني في الداخل. فخلافاتهم مع الإسلاميين المنخرطين في الصراع العسكري والسياسي المباشر جعلتهم أقرب إلى جماعات منفية أو شبكات مصالح عائلية، مما خلق فجوة في الرؤية والفاعلية، وهذا ما يجعلهم يضطرون لدعم خيار السلام.
فالقيادات الإسلامية في الداخل تتهم الإسلاميين في تركيا بالفساد أو الانفصال عن الواقع السوداني، بينما يرى تيار تركيا تورّط الإسلاميين بالداخل في صراعات أضعفت الحركة الإسلامية.لذلك فإن رجب طيب أردوغان يحاول أن يثبت للسعودية أن تركيا تقف ضد الجماعات المتطرفة، وقد لا يعني هذا بالضرورة أن أنقرة غيّرت جذريًا موقفها من الإسلام السياسي، لكنه رسالة سياسية موجهة لإظهار الانسجام مع المجتمع الدولي ومع الرياض، سيما أن تركيا تاريخيًا احتضنت تيارات إسلامية سياسية، أبرزها جماعة الإخوان المسلمين ، ووفرت لهم مساحة إعلامية وتنظيمية. هذا جعلها تُصنَّف في المنطقة كحاضنة لبعض التيارات الإسلامية غير المرغوبة لدى دول مثل السعودية ومصر وأخيرًا السودان.
ولأن رسالة أردوغان خاصة بمصر والسعودية باعتبار مشروعهما المشترك في القضاء على الإخوان، خاصة الجماعات المتطرفة، ناقش أردوغان ذات القضية مع الرئيس السيسي، وكشف الأخير عن اتفاقه مع نظيره التركي على ضرورة التوصل العاجل إلى هدنة إنسانية في السودان تفضي إلى وقف شامل لإطلاق النار.
والطائرة التركية التي هبطت على مطار الخرطوم هي تأكيد لتعاون تركيا مع المجتمع الدولي وقبولها للحل وليس إنعاش لعلائق الود مع الإسلاميين لطالما أن تهيئة المطار هي أول خطوات الاستجابة للحل فالأمم المتحدة لوصول مساعداتها وأتيامها تحتاج الي مطاري نيالا والخرطوم كنوافذ استقبال دوليكما أن مجمل التحركات توضح أن هناك محاولة لصياغة موقف إقليمي موحّد يرفض استمرار الحرب ويدعم الحل السياسي المدني، ومع ذلك يجمع على الوقوف ضد الإسلاميين وضد عودتهم للحكم في السودان مرة أخرى. وهو أيضًا تنسيق مباشر مع واشنطن أو على الأقل استجابة لضغطها، إذ شددت أمريكا على أن أي عملية سياسية يجب أن تكون مدنية خالية من الجماعات المتطرفة، وهو ما ورد نصًا في البيان السعودي التركي. وهذا ما يوضح أن التحركات الإقليمية بالفعل تتماهى مع الخطاب الأمريكي تماما وأن امريكا حصلت على ماتريده من دعم إقليمي بنسبة عالية وهذا ماجعل ترامب يقول أنه الحل وشيك فالمصالح الإقليمية المتشابكة مع السودان هي أكثر الأسباب التي تسببت في بطء الحل الدولي ولكن لماذا لا يقف الإخوان على حقيقة انهيارهم المدوي وافلات الحلفاء أيديهم عنهم!!
فاتفاق ثلاث دول مثل السعودية وتركيا ومصر على ضرورة إبعادهم من الحكم نهائيًا، بالرغم من أنهم كانوا حتى يوم أمس يتباهون بدعم هذه الدول، يجعل انحيازها ومباركتها لحكومة مدنية في السودان مع الحرص على إعادة صياغة(باستثناء المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية) يعد ضربة قاضية لتنظيم سيودّع المشهد نهائيا ً بنهاية هذه الحرب. حتى إن الإصرار على استمرارها بغية الحكم أصبح أمرًا مستحيلاً يرفضه الحلفاء قبل الأعداء.
طيف أخير:
#لا_للحرب
خرج قائد كتائب البراء المصباح أبو زيد ملوّحًا من ولاية الجزيرة كأمير حرب، وكأنه يجيب على سؤال البرهان: أين هم الكيزان؟
ولكن لا قيمة لخطاب داخلي متطرف في حرب بات قرارها بالخارج، بالتالي لا صدى لصياح “ديك المسلمية”.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.