السيادة لا تُفَعَّل باتفاقيات قديمة: هل تُستخدم الشراكة السودانية –المصرية كغطاء للتدخل؟
تحقيق: عين الحقيقة
في خضم التصعيد السياسي والتصريحات المتبادلة، تعود إلى الواجهة العلاقة السودانية–المصرية بوصفها واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في الإقليم، خصوصًا مع استدعاء اتفاقيات قديمة وُقِّعت في سياقات تاريخية مختلفة، أبرزها اتفاقية الدفاع المشترك. غير أن سؤال السيادة يفرض نفسه بقوة: هل ما زالت هذه الاتفاقيات صالحة لواقع تغيّر جذريًا، أم أنها تُستدعى اليوم كأدوات نفوذ أكثر من كونها أطر شراكة متكافئة؟
تشير مراجعة خلفيات توقيع اتفاقية الدفاع المشترك إلى أنها أُبرمت في مرحلة كانت فيها الدولتان تُداران بأنظمة مركزية مستقرة نسبيًا..
تشير مراجعة خلفيات توقيع اتفاقية الدفاع المشترك إلى أنها أُبرمت في مرحلة كانت فيها الدولتان تُداران بأنظمة مركزية مستقرة نسبيًا، وتتحركان ضمن اصطفافات إقليمية واضحة. اليوم، يواجه السودان حربًا مدمرة، وتفككًا مؤسسيًا، وغيابًا لشرعية دستورية منتخبة، ما يجعل تفعيل اتفاقيات أمنية كبرى دون تفويض شعبي أو مؤسسي أمرًا يثير تساؤلات قانونية وسياسية عميقة. فالاتفاقيات العسكرية، بحسب خبراء قانونيين، تفترض وجود دولة متماسكة وجيش موحد وقرار سيادي مستقل، وهي شروط تآكلت بفعل الصراع.
في هذا السياق، يتصاعد الخطاب المصري الذي يتعامل مع السودان بوصفه “عمقًا أمنيًا”، وهو توصيف يراه مراقبون اختزالًا مخلًا لدولة مستقلة ذات سيادة وحق أصيل في صياغة خياراتها. ويكشف هذا الخطاب، المباشر أو المبطّن، عن فجوة في فهم التحولات السودانية، حيث لم يعد الشارع يقبل معادلات الوصاية أو إدارة الأزمات من الخارج. فاحترام السيادة، وفق هذا المنظور، لا يتحقق عبر التصريحات أو الاتفاقيات القديمة، بل عبر الامتناع عن التدخل والاعتراف باستقلال القرار السوداني.
عسكرة النزاعات الداخلية، بدعم أو تدخل خارجي، لا تقرّب السلام، بل تُطيل أمد الحرب وتُعقّد مسارات الحل. فالتجارب السودانية والإقليمية تؤكد أن التدخلات المنحازة لطرف واحد تغذّي الاستقطاب..
الأخطر في المشهد هو التساؤل الذي يتردد في الأوساط السياسية: من يملك حق استدعاء قوات أجنبية أو تبرير تدخل خارجي في نزاع داخلي؟ فمثل هذه القرارات المصيرية لا يمكن أن تُتخذ في غرف مغلقة أو عبر تفاهمات فوقية، بل تتطلب شرعية دستورية وإرادة شعبية غائبة في ظل الحرب. ويرى محللون أن أي وجود عسكري أجنبي، تحت أي ذريعة، يفتح الباب لتحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة، تُدار فيها المعارك وفق مصالح إقليمية لا وفق أولويات الشعب السوداني.
كما يُحذّر التحقيق من أن عسكرة النزاعات الداخلية، بدعم أو تدخل خارجي، لا تقرّب السلام، بل تُطيل أمد الحرب وتُعقّد مسارات الحل. فالتجارب السودانية والإقليمية تؤكد أن التدخلات المنحازة لطرف واحد تغذّي الاستقطاب، وتدفع الأطراف إلى مزيد من التعنت، وتحول الصراع إلى مواجهة مفتوحة تتشابك فيها الأجندات الإقليمية على حساب المدنيين والدولة.
وتخلص عين الحقيقة، بعد تتبع الوقائع والخطابات، إلى أن أي تدخل خارجي منحاز في السودان لن يكون عامل استقرار، بل وقودًا إضافيًا للصراع. فالسلام لا يُفرض عبر اتفاقيات عسكرية تُفعّل دون إرادة الشعوب، ولا عبر اصطفافات إقليمية، بل عبر مسار سوداني خالص يعالج جذور الأزمة ويعيد بناء الدولة على أسس العدالة والسيادة. وفي هذا الإطار، تبرز خلاصة مركزية: السلام يُصنع سودانيًا لا إقليميًا، والسيادة ممارسة يومية لا بندًا مؤجلًا في اتفاقيات تجاوزها الزمن.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.