المهرة تهتف… والملف الجنوبي اليمني يعود إلى واجهة الأزمة اليمنية

تقرير: عين الحقيقة

في مشهد يعكس تعقد الأوضاع السياسية والأمنية في جنوب اليمن، شهدت مدينة الغيضة، مركز محافظة المهرة شرقي البلاد، مظاهرات حاشدة دعا إليها المجلس الانتقالي الجنوبي، عبّر خلالها المشاركون عن دعمهم للقوات الجنوبية، في تحرّك شعبي لافت جاء في توقيت بالغ الحساسية، وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الاستقطاب الداخلي حول مستقبل السلطة والترتيبات الأمنية في المحافظات الجنوبية.

وردد المتظاهرون شعارات مؤيدة للقوات الجنوبية، معتبرين إياها الضامن لأمن واستقرار الجنوب، وطالبوا بتعزيز دورها في مواجهة ما وصفوه بالتحديات الأمنية المتفاقمة، في ظل هشاشة الوضع العام واستمرار تعقد مسار الحل السياسي الشامل للأزمة اليمنية.

وجاءت هذه المظاهرات عقب إعلان المملكة العربية السعودية تنفيذ عملية عسكرية محدودة استهدفت ميناء المكلا في محافظة حضرموت، في خطوة قالت الرياض إنها تهدف إلى خفض التصعيد وفرض التهدئة في محافظتي حضرموت والمهرة، ومنع اتساع رقعة الصراع، وتأمين المنشآت الحيوية.

في المقابل، وصف المجلس الانتقالي الجنوبي العملية بأنها «عدوان سعودي منفرد»، معبّراً عن رفضه لأي تحركات عسكرية لا تراعي، بحسب بيانه، «حق القوى الجنوبية في إدارة شؤون مناطقها وحماية مصالحها»، وهو ما يعكس عمق الخلافات بين أطراف التحالف الداعم للشرعية اليمنية، ويبرز هشاشة التفاهمات القائمة داخل معسكر الحلفاء.

وتُعد محافظتا المهرة وحضرموت من أكثر مناطق الجنوب حساسيةً من الناحية الاستراتيجية، نظراً لموقعهما الجغرافي المطل على بحر العرب، وامتلاكهما منافذ بحرية مهمة وثروات طبيعية، فضلاً عن كونهما حلقة وصل محورية في معادلات الأمن الإقليمي وخطوط الملاحة الدولية.

وخلال السنوات الماضية، شهدت المحافظتان تبايناً واضحاً في مواقف القوى المحلية والإقليمية بشأن الوجود العسكري والترتيبات الأمنية، وسط اتهامات متبادلة بالسعي إلى الهيمنة أو توسيع النفوذ، ما جعل أي تحرك عسكري أو احتجاج شعبي محل متابعة إقليمية ودولية دقيقة.

وقال المحلل السياسي بشري علي لـ«عين الحقيقة» إن قضية جنوب اليمن لا يمكن فصلها عن السياق التاريخي العام»، مشيراً إلى أن الجنوب «كان أكثر تطوراً على مستوى المؤسسات والتعليم والحياة المدنية مقارنةً بالشمال، لا سيما خلال فترة الدولة الاشتراكية التي حاربت القبلية وأسست لبنية مدنية واضحة».

وأضاف أن وحدة عام 1990 «جاءت بقرار سياسي فوقي، ولم تخضع لإرادة شعبية حقيقية»، معتبراً أن حرب 1994 «حوّلت الوحدة إلى واقع قسري، وأدخلت الجنوب في مرحلة إدارة بعقلية المنتصر، وما صاحبها من إقصاء سياسي ومصادرة ممتلكات وملاحقات ممنهجة».

وأشار علي إلى أن ثورة 2011 «مثّلت فرصة حقيقية لإعادة بناء الوحدة على أسس جديدة وأكثر عدلاً، لكنها أُجهضت بعد اختطافها من قوى سياسية، ما فتح الباب أمام تحالفات متناقضة انتهت بمقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وبقاء جذوة الصراع مشتعلة حتى اليوم.

من جانبه، قال خبير أمني فضّل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» إن لانسحاب الإماراتي من اليمن شكّل نقطة تحول استراتيجية في مسار الحرب»، موضحاً أن دولة الإمارات العربية المتحدة انتقلت منذ عام 2019 من الانخراط العسكري المباشر إلى «إعادة التموضع وإدارة النفوذ عبر شركاء محليين.

وأضاف أن تقارير إعلامية غربية وعربية تشير إلى أن أبوظبي ركزت، بعد تقليص وجودها العسكري، على دعم القوات المحلية في مكافحة الإرهاب، إلى جانب تأمين السواحل وخطوط الملاحة في بحر العرب وخليج عدن، فضلاً عن تقليص الكلفة العسكرية والسياسية المباشرة.

وأكد الخبير أن هذا التحول «خلق فراغاً نسبياً في بعض المناطق، وأسهم في زيادة حدة التنافس بين القوى المحلية والإقليمية، ورفع مستوى الاحتقان السياسي، لا سيما في المحافظات الجنوبية.

وبحسب تقارير إعلامية حديثة، فإن استمرار الوضع الراهن دون التوصل إلى تسوية سياسية شاملة قد يدفع الجنوب نحو مزيد من التصعيد، سواء عبر تصاعد مطالب الاستقلال أو الحكم الذاتي الموسّع، أو اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية، ما قد يستدعي تدخلاً إقليمياً ودولياً أوسع لضبط الأمن، خصوصاً في المناطق الساحلية والمنافذ الحيوية.

ويجمع مراقبون على أن قضية جنوب اليمن باتت «العقدة المفصلية» في مسار الأزمة اليمنية، وأن تجاهلها أو التعامل معها بمعالجات أمنية فقط قد يفتح الباب أمام موجة اضطرابات جديدة، في وقت يبدو فيه المشهد الإقليمي أكثر تعقيداً، وتتشابك فيه الحسابات المحلية مع المصالح الإقليمية والدولية.

تكشف مظاهرات المهرة أن الجنوب اليمني لم يعد ملفًا مؤجلًا أو هامشيًا في معادلة الصراع، بل بات في صدارة المشهد بوصفه عقدة سياسية وأمنية لا يمكن تجاوزها. وبين شارع غاضب، وتحالفات متصدعة، وترتيبات أمنية هشة، تتجه الأزمة نحو منعطف حاسم يفرض على الفاعلين المحليين والإقليميين مراجعة رهاناتهم، والانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره. فدون مقاربة سياسية شاملة تعترف بخصوصية الجنوب وتستجيب لتطلعات أبنائه، سيظل الاستقرار مؤجلاً، وستبقى المهرة وغيرها من مدن الجنوب مرشحة للغليان، في انتظار تسوية تعيد لليمن توازنه المفقود وتغلق أحد أكثر ملفات أزمته تعقيدًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.