تواجه العمليات العسكرية للجيش السوداني والمجموعات الإسلامية المتحالفة معه تعقيدات ميدانية متسارعة على جبهة كردفان، بعد أن تحولت الاستراتيجية الهجومية التي تبنتها تلك القوى إلى معارك دفاعية مستميتة للحفاظ على مواقعها الاستراتيجية، ولا سيما في ولاية شمال كردفان، مما يضع الحراك العسكري والسياسي الداعي للحسم المسلح أمام مفترق طرق حرج.
و أفادت مصادر ميدانية متطابقة ، بأن المخططات العسكرية التي كانت تراهن عليها كتائب المقاتلين الإسلاميين – وفي مقدمتها ما يسمى بمتحرك الصياد و “كتيبة البراء بن مالك” – لتحقيق تقدم سريع واستعادة السيطرة على مدن كردفان تمهيداً للتوجه نحو إقليم دارفور، قد اصطدمت بمقاومة عنيفة وتحصينات قوية من جانب قوات الدعم السريع وحلفائها في المنطقة.
وقد أسفرت المواجهات الأخيرة المحتدمة في جبهة كردفان عن خسائر بشرية ومادية فادحة في صفوف الجيش والكتائب المساندة له، شملت فقدان قيادات ميدانية بارزة من الإسلاميين، مما أدى إلى كبح جماح الهجوم المضاد وتغيير موازين القوى لصالح قوات الدعم السريع على الأرض.
و انتقلت مسارح العمليات بشكل متسارع لتصبح مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان والمركز الاستراتيجي الرابط بين غرب السودان ووسطه، تحت التهديد المباشر بالسقوط.
وحسب التقارير الواردة، نفذت قوات الدعم السريع في الايام الاخيرة سلسلة من الضربات النوعية والمكثفة داخل المدينة، استهدفت بشكل مباشر ، مقرات الدفاع الجوي التابعة للجيش، مستودعات الأسلحة والذخيرة الرئيسية، و مخازن الوقود والإمداد اللوجستي.
وتشير المؤشرات الميدانية إلى احتمال قيام قوات الدعم السريع بشن هجوم شامل واقتحام المدينة خلال الأيام المقبلة، وهو ما يراه مراقبون عسكريون تطوراً خطيرا سيعيد رسم خريطة النفوذ والسيطرة في السودان بالكامل.
تقويض رهان الحسم والتعبئة المعنوية
يأتي هذا التراجع الميداني ليهدد بشكل مباشر الرؤية السياسية والعسكرية للتيارات الإسلامية التي ناصرت خيار الحرب ورفضت مبادرات السلام المقترحة في المنابر الدولية والإقليمية.
وكان الخطاب الإعلامي والمعنوي لهذه المجموعات يرتكز بالكامل على فكرة الحسم العسكري اللامشروط، وتجلى ذلك في حملات التعبئة والاستنفار الشعبية، ودعم المنصات الفنية والإعلامية للحرب، عبر أعمال حماسية مثل أغنية “تاح تاح تحسم بالسلاح” و عبارة “بل بس” التي انتشرت كشعار للمتمسكين بالحل العسكري.
و يرى خبراء أن سقوط الأبيض – إن حدث – سيمثل ضربة قاصمة لخطط الإسلاميين، وسيفكك السردية القائمة على حتمية الانتصار العسكري القريب، مما سيضع قيادة الجيش أمام واقع سياسي واقتصادي معقد يصعب الاستمرار فيه.
يقف الجيش وحلفاؤه الإسلاميين اليوم في مواجهة خيارين لا ثالث لهما، وسط حالة من الضبابية السياسية
الخيار الأول الاستمرار في الحسم العسكري او العودة إلى مسار التفاوض لكن يبدو أن الاستمرار في القتال برغم تعقيد الميدان واستعصاء النصر السريع، وهو ما يهدد بانهيار خطوط دفاعية أخرى وتعميق الأزمة الإنسانية. لذلك التوجه نحو طاولات السلام والمفاوضات، وهو المطلب الشعبي الذي يترقبه ملايين السودانيين لإنهاء معاناة
و تُجمع الدوائر المراقبة على أن الساعات والأيام القادمة في جبهة كردفان ستكون حاسمة في تحديد المسار المقبل للأزمة السودانية، فإما الذهاب نحو مواجهات أكثر دموية وإنهاكاً للبلاد، أو الرضوخ للواقع الميداني والبحث عن تسوية سياسية شاملة تُخرج السودان من نفق الحرب المظلم.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.