تحولت الشعارات الدينية في السودان خلال العقود الثلاثة الماضية من خطاب دعوي إلى أداة تعبئة سياسية وعسكرية. ومع اندلاع الحرب الحالية، عادت _الحركة الإسلامية السودانية_ وجناحها السياسي _المؤتمر الوطني_ لاستخدام ذات الأدوات، لكن بوتيرة أعلى.
الدين كـ “طُعم سياسي” لاستمالة الوجدان
منذ وصولها إلى السلطة في 1989، بنت الحركة الإسلامية خطابها على إدراكها لعمق التدين في المجتمع السوداني المتصوف والمحافظ.
بدلاً من طرح مشروع تنموي، قدمت مشروعاً خطابياً قائماً على تخويف الناس بمصطلحات فضفاضة مثل: “العلمانية، الرأسمالية، الإمبريالية، الاشتراكية”.
يقول باحثون سياسيون إن الهدف كان خلق “عدو دائم” لتبرير أي تجاوز باسم حماية العقيدة.
وامتدت آليات الاستقطاب إلى الأطراف والقرى النائية عبر استخدام “اللحى وفصاحة اللسان والإسراف في الخطابة”، دون تقديم خدمات ملموسة للمواطنين، ما أوهم قطاعات واسعة بأنها حركة “تجديد ديني”.
و مع تصاعد الصراع الحالي، نشطت الآلة الإعلامية للحركة عبر 3 مسارات رئيسية وهي أسلمة الصراع و تصوير الحرب على أنها “معركة عقيدة” و”دفاع عن الدين” وليست صراعاً سياسياً وعسكرياً، و استدعاء شعارات الماضي اعادة بث شعارات حرب الجنوب مثل “نشيدهم.. نحن أحفاد المثنى.. في طريق المجد سرنا” لربط المقاتل الحالي بإرث بطولي ديني.
بالإضافة إلى تضخيم مفهوم “الشهيد” لتسهيل دفع الشباب إلى جبهات القتال.
و بحسب شهادات من داخل معسكرات التجنيد، استقطب الخطاب أعداداً من _النساء والشباب والفقراء_.
دخلوا المعسكرات مدفوعين بخطاب ديني يعد بالثواب ويصور المشاركة في القتال “فريضة”.
وتشكلت معادلة واضحة: خطاب ديني عاطفي+ عدو مفترض + وعود أخروية = حشد مجاني لمعركة لا يملكون قرارها.
و يصف مراقبون ما جرى بأنه اوسع عملية توظيف للدين في السياسة في تاريخ السودان الحديث .
وكانت النتيجة دولة غارقة في الأزمات الاقتصادية والسياسية، وشعب منقسم.
والأخطر، بحسب التقرير، هو تفريغ الدين من قيم الرحمة والعدل وتحويله إلى مبرر للقتل والنزوح واللجوء.
و يدفع السودان اليوم فاتورة عقود من الخلط بين السياسة والدين.
ويرى خبراء أن استعادة الدولة تتطلب فصل الخطاب الديني عن المزايدات السياسية، وتمليك المواطن مفاهيم واضحة بعيداً عن الشعارات.
فالدين الذي تم استخدامه لحشد الناس للحرب، هو نفسه الذي يجب أن يستخدم اليوم لحقن الدماء وبناء السلام.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.