الأسواق السودانية تحت الإضراب.. وشلل بسبب الدولار والجبايات 

تقرير: عين الحقيقة

دخلت الأسواق في عدد من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش في السودان مرحلة جديدة من الاضطراب، مع إغلاق محال تجارية وإضراب مفتوح نفذه تجار احتجاجاً على تصاعد الضرائب والرسوم والجبايات، بالتزامن مع الارتفاع الحاد في أسعار العملات الأجنبية وتعطل التطبيقات المصرفية وشح السيولة النقدية.

زادت أزمة تعطل التطبيقات المصرفية من تعقيدات السوق، بعدما أصبحت نسبة كبيرة من المعاملات تعتمد على التحويلات الإلكترونية

وفي الخرطوم، أغلقت أعداد كبيرة من المحال أبوابها، فيما امتنع بعض تجار الجملة عن البيع بسبب عدم استقرار الأسعار وصعوبة تحديد تكلفة السلع. وامتدت حالة الاحتجاج إلى ولايات أخرى، بينها نهر النيل، وسط شكاوى من ارتفاع الرسوم المحلية وتعدد جهات التحصيل.
وتزامن ذلك مع قفزة كبيرة في سعر الدولار بالسوق الموازية، الذي تجاوز ـ وفق إفادات التجار الواردة في التقرير ـ 9 آلاف جنيه، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار السلع وتكاليف النقل والتوريد، ودفع بعض التجار إلى وقف عمليات البيع انتظاراً لاستقرار سوق الصرف. وقال تجار إن تعدد الضرائب والرسوم، وارتفاع الإيجارات وأسعار الوقود، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، جعل استمرار النشاط التجاري أكثر صعوبة. وأشاروا إلى أن بعض المحال تواجه عدة رسوم خلال الشهر الواحد، في ظل غياب التنسيق بين المستويات الحكومية المختلفة.
شلل مصرفي يزيد الأزمة
وزادت أزمة تعطل التطبيقات المصرفية من تعقيدات السوق، بعدما أصبحت نسبة كبيرة من المعاملات تعتمد على التحويلات الإلكترونية، في وقت يعاني فيه القطاع المصرفي من اضطرابات مرتبطة بتحديث الحسابات ونقص السيولة النقدية.
ويرى خبير اقتصادي في قراءة خاصة لـ«عين الحقيقة» أن اجتماع ثلاثة عوامل ـ تدهور سعر الصرف، نقص السيولة، وزيادة الرسوم الحكومية ـ يمكن أن يحول الركود التجاري إلى أزمة أوسع في سلاسل الإمداد، لأن التاجر الذي لا يستطيع تحديد تكلفة إعادة شراء بضاعته يميل إلى تجميد البيع بدلاً من تحمل خسائر محتملة. ويضيف الخبير أن معالجة الأزمة لا تبدأ بزيادة الجبايات، وإنما بإعادة تنشيط الإنتاج والتجارة، وتوحيد الرسوم الحكومية، وتحسين الخدمات المصرفية، مع توفير بيئة أكثر استقراراً لسعر الصرف.
الضرائب والجبايات في مواجهة الركود
ويقول مراقب اقتصادي تحدث لـ«عين الحقيقة» إن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، وإنما في حالة عدم اليقين التي تضرب السوق؛ فالتاجر والمستهلك معاً أصبحا عاجزين عن توقع السعر في اليوم التالي، بينما يؤدي ارتفاع تكلفة النقل والوقود والرسوم إلى انتقال الزيادة بصورة متتالية إلى المستهلك.
ويرى المراقب أن استمرار فرض رسوم مرتفعة على نشاط تجاري يعاني أصلاً من الركود قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في إغلاق مزيد من المحال وتراجع الإيرادات الحكومية بدلاً من زيادتها.
مطالب بمراجعة السياسات
من جانبهم، يطالب التجار بمراجعة التقديرات الضريبية والرسوم المحلية، ووضع ضوابط أكثر وضوحاً للإيجارات والجبايات، إلى جانب معالجة أزمة الوقود والنقل وتوفير السيولة وتحسين الخدمات المصرفية.
وقال عضو الغرفة التجارية محمد سالم إن الغرفة رفعت مذكرة إلى الجهات المختصة بشأن المخاطر التي تواجه النشاط التجاري، داعياً إلى مراجعة السياسات الضريبية وتحديد التقديرات وفق طبيعة وحجم النشاط، وتفعيل قوانين الفوترة لضبط عمليات البيع والشراء. وبحسب التجار، فإن استمرار الإضراب والإغلاق سيظل مرتبطاً بمدى استجابة السلطات للمطالب المتعلقة بالضرائب والرسوم والجبايات.
وفي المحصلة، تكشف أزمة الأسواق عن ضغوط اقتصادية متشابكة: عملة محلية تتراجع، سيولة شحيحة، تطبيقات مصرفية متعثرة، رسوم متزايدة، وقوة شرائية تتآكل. ومع استمرار الحرب وتراجع الإنتاج وحركة التجارة، تبدو الأسواق أمام اختبار صعب بين قدرة التجار على مواصلة النشاط وقدرة المواطنين على تحمل موجات جديدة من ارتفاع الأسعار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.