حرب الندامة… كيف تحققت نبوءة مولانا سيف الدولة حمدنا الله؟

 الصادق حمدين

 

 

ليس الناس سواء في النظر إلى الأحداث، فثمة من يحدق في الوقائع بعيني صقر، نافذتي البصر إلى نقطة واحدة، فيرى الهدف ولا يرى ما يحيط به، ويقرأ الإطار ويغفل عن قراءة اللوحة ورمزها ودلاتها.

وثمة من ينظر إليها بعيني حرباء، توزع كل عين منهما وجهتها في آن واحد، فتلتقطان التفاصيل المتباعدة، وتجمعان أطراف المشهد قبل إصدار الحكم عليه. الأولى رؤية مستقيمة لكنها أحادية، أما الثانية فهي رؤية مركبة، لا تكتفي بما يقع في مركز الصورة، بل تستقرئ ما يختبئ عند تفاصيلها وهوامشها أيضاً.

ومن هذه الفئة الأخيرة كان مولانا سيف الدولة حمدنا الله متعه الله بالصحة؛ فقد قرأ بدايات المشهد يوم كان الآخرون مأخوذين بضجيجه، ورأى نهاياته يوم كان كثيرون يحتفلون بأوهام البدايات.

أما قبائل بني كوز، فقد أصرت على النظر بعيني الصقر، ثبتت أبصارها على هدف واحد، وأغمضت وعيها عن بقية اللوحة، حتى انتهى بها الأمر إلى أن تخلط بين الرهان والمصير، وبين الحرب والنجاة، فإذا بما سمته يوماً حرب الكرامة يتحول، مع امتداد الزمن، إلى حرب الندامة.

أتذكر جيداً مقالاً كتبه قبل سنوات مولانا سيف الدولة حمدنا الله، بقي معناه عالقاً في الذاكرة وإن غابت عباراته الدقيقة. كان يتساءل: لماذا يفضل الكيزان قرع طبول الحرب على تعمير الأرض والاستمتاع بالحياة؟ ولماذا يكون خيارهم الأول دائماً هو الخراب لا البناء؟ كان جوهر الفكرة أن من يملك الشركات والعقارات والثروات والسيارات الفارهة ينبغي أن يكون أكثر الناس خوفاً من الحرب، لأن الحرب في نهاية المطاف لا تحرق إلا ما بناه الناس. وكانت المفارقة أن أكثر من يملك أسباب السلام ظل أكثر الناس انجذاباً وطرباً لسماع طبول إلى الحرب.

في عالم المقامرين توجد قاعدة يعرفها راعي اللاما في جبال الانديز القصية: أخطر لاعب ليس من يخسر، وإنما من يرفض الاعتراف بالخسارة. فبعد كل ورقة تسقط من يده يهمس لنفسه: “الجولة القادمة ستعوض كل شيء”. ثم يخسر الجولة التالية، فيضاعف الرهان، لا لأنه يملك أسباباً جديدة للفوز، بل لأنه لم يعد يحتمل الاعتراف بأن الجولة الأولى كانت خطأ. وهكذا، لا تنتهي اللعبة بالنصر، وإنما بالإفلاس.

هذا التشبيه يكاد يختصر، في نظر كثيرين، ذهنية البلابسة الكيزان في التعاطي مع الحرب. فبدلاً من أن يكون الزمن فرصةً للمراجعة، تحول إلى مبرر لمزيد من الرهان. وكلما ارتفعت فاتورة الحرب، ازداد الإصرار على أن الخروج منها مستحيل قبل تحقيق “النصر الكامل”، وكأن الاعتراف باستحالة الحسم العسكري أكبر تكلفة من استمرار النزيف نفسه.

لكن يبدو أن منطق المقامر أقوى من منطق التاجر. فالتاجر يحسب الأرباح والخسائر، أما المقامر فلا يرى إلا الرهان التالي.

عندما اندلعت الحرب، ربما تصور كثيرون أنها ستكون معركة خاطفة، ساعات أو أيام قليلة، ثم يُطوى الملف نهائياً. غير أن الرهان الأول خسر، ومع ذلك لم يتوقف اللعب. دخلت الحرب عاماً بعد عام، بينما ظل الخطاب ذاته يعد بالنصر الذي تؤجله الأيام باستمرار. وكل خسارة جديدة لم تكن سبباً للتراجع، بل ذريعة لمضاعفة الرهان.

وهنا يبدأ قانون القمار في العمل: في البداية تُخسر النقود الموجودة في الجيب، ثم المدخرات، ثم الممتلكات، ثم تُرهن الأشياء الثمينة، حتى يصل المقامر إلى لحظة يبيع فيها آخر ما يملك بما فيها ضميره وربما شرفه، وهو لا يزال مقتنعاً أن الضربة الكبرى لم تأت بعد.

هكذا تبدو الصورة سياسياً. فإذا كانت الأموال والمدخرات المسروقة والمنهوبة و “المهنبتة” من مال الشعب قد استُنزفت وذهبت أدراج الرياح، فإن ما تبقى هو ثروات البلاد وسيادتها، وعلى رأسها الأرض والذهب، ليصبح الأخير محوراً لصراعات ومراكز نفوذ جديدة، مع دخول قوى أخرى إلى معادلة الحرب والمصالح. وفي مثل هذه اللحظات لا يعود السؤال: من سيربح؟ بل: ماذا سيبقى أصلاً ليستحق الفوز إذا كانت الأرض نفسها قد تم التنازل عنها ورهنها لأجل غير مسمى؟

ولعل أكثر المفارقات سخرية أن الحرب التي أُريد لها أن تكون عنواناً للكرامة، تحولت عند كثير من السودانيين إلى عنوان للندامة. فالكرامة لا تُقاس بعدد السنوات التي تستمر فيها البنادق، ولا بعدد المدن التي تتحول إلى أنقاض، ولا بعدد المواطنين الذين يغادرون بيوتهم، وإنما بقدرة السياسة على حماية الإنسان قبل الأرض، والدولة قبل السلطة.

إن المقامر لا ينسحب من الطاولة لأنه خسر، بل لأنه لم يعد يملك ما يراهن به. والتاريخ السياسي بدوره لا يرحم من يخلط بين الشجاعة المتوهمة والعناد الفارغ، وبين الثبات والإصرار على الخطأ. فهناك لحظة يصبح فيها التراجع حكمة، ويصبح الإصرار مجرد طريقة أكثر تكلفة للوصول إلى النتيجة نفسها.

ربما لهذا السبب تبدو تسمية “حرب الكرامة” موضع تساؤل لدى كثيرين. لأن الحروب لا تُسمى بما أراده مطلقوها، وإنما بما تتركه في ذاكرة الشعوب. وإذا كانت نهايتها حصيلة من الخراب والاستنزاف والفرص الضائعة، فإن التاريخ قد يختار لها اسماً آخر: حرب الندامة… تلك الحرب التي بدأها المقامر معتقداً أن الجولة التالية ستعوض الخسارة، حتى اكتشف، بعد فوات الأوان، أن الطاولة ابتلعته قبل أن يبتلع خصومه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.