الديسمبريون يقولون كلمتهم مجددًا.. عندما تتحدث لقمة العيش بلسان الثورة

نورا عثمان

 

في أحياء أمدرمان القديمة، حيث ارتبطت ذاكرة السودانيين بالأسواق والبيوت العتيقة وأهازيج الثورة، خرج المواطنون مجددًا ليقولوا إن الحرب لم تستطع أن تطفئ صوت الشارع، وإن معاناة الناس اليومية أصبحت أكبر من أن تُخفى خلف بيانات النصر أو خطابات السياسة. وشهدت أحياء العباسية، محطة عابدين، شارع الأربعين، الحتانة ومناطق أخرى تجمعات احتجاجية تندد بتدهور الأوضاع المعيشية، وتطالب السلطات التنفيذية بتحمل مسؤولياتها تجاه المواطنين. وبحسب المعلومات المتاحة، تدخلت السلطات لتفريق المحتجين، دون معلومات رسمية مؤكدة حتى الآن بشأن وقوع إصابات أو اعتقالات.

هذه الاحتجاجات، بعيدًا عن حجمها أو قدرتها على الاستمرار، تحمل دلالة سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها: الناس الذين أنهكتهم الحرب يريدون حياة طبيعية، وخدمات أساسية، وأسعارًا يمكن احتمالها، ودولة تسمعهم بدلًا من أن تكتفي بمطالبتهم بالصبر.

شهدت أجزاء من الخرطوم وأمدرمان عودة تدريجية للسكان والنشاط التجاري بعد تراجع القتال في بعض المناطق، لكن العودة لم تعنِ بالضرورة عودة الحياة الطبيعية. فالكهرباء والخدمات الصحية والمياه والتعليم ما زالت تواجه مشكلات كبيرة، فيما تضغط الأسعار وتدهور الاقتصاد على الأسر. السودانيين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما لا تزال المساعدات الإنسانية أقل كثيرًا من حجم الاحتياجات.

وفي أمدرمان تحديدًا، أزمة الكهرباء ليست مسألة تقنية. تقرير حديث لوكالة أسوشيتد برس وصف اعتماد سكان في المدينة على الطاقة الشمسية لمواجهة الانقطاعات المتكررة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن ارتفاع تكلفة هذه البدائل يحرم كثيرين منها.  المواطن يعود  إلى منزله، لكنه لم يجد الدولة التي يفترض أن تساعده على استعادة حياته.

الرسالة الأهم في احتجاجات أمدرمان أن ثورة ديسمبر لم تكن حدثًا انتهى بسقوط عمر البشير.

الثورة كانت تعبيرًا عن مطالب أعمق: الحرية، والسلام، والعدالة، والعيش الكريم، ودولة المؤسسات.

ولهذا فإن المواطن الذي يخرج اليوم احتجاجًا على غلاء الأسعار أو انقطاع الكهرباء أو غياب الخدمات لا يحتاج إلى أن يرفع شعارًا سياسيًا محددًا حتى يكون احتجاجه امتدادًا لذلك الوعي الذي صنعته ديسمبر.

فحين يهتف الناس من أجل الخبز والكهرباء والماء والدواء، فإنهم في جوهر الأمر يسألون سؤالًا سياسيًا بسيطًا: أين الدولة؟ وأين ذهبت وعود السلطة عندما عاد الناس إلى مدنهم؟ ومن المسؤول عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب؟

السلطة التي تستعيد مدينة مطالبة باستعادة الحياة فيها، لا الاكتفاء باستعادة المباني والمؤسسات.

فإعادة فتح شارع أو مؤسسة حكومية لا تعني أن الأزمة انتهت. عودة المواطن إلى منزله لا تعني أن مشكلته انتهت. وعودة بعض الأسواق لا تعني أن الأسرة قادرة على شراء احتياجاتها.

التحدي الحقيقي يبدأ بعد توقف الرصاص: الماء، الكهرباء، الصحة، التعليم، الأمن، العمل، الأسعار، والمواصلات. وهذه ليست مطالب رفاهية، بل حقوق أساسية. وتشير تقديرات حكومية بريطانية حديثة إلى أن الأزمة الإنسانية في السودان ما تزال واسعة للغاية؛ إذ قُدّر عدد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية خلال 2026 بنحو 33.7 مليون شخص، مع استمرار تدهور الخدمات والاقتصاد.

إذا كانت السلطة تتعامل مع الاحتجاجات المعيشية باعتبارها مشكلة أمنية، فإنها تخاطر بتحويل الغضب الاقتصادي إلى أزمة سياسية أوسع. المواطن الذي خرج لأنه لا يستطيع تحمل تكلفة الحياة لن تعالج أزمته سيارة شرطة. والأسرة التي تعاني من الكهرباء والمياه والدواء لا تحتاج إلى خطاب سياسي جديد، بل إلى خدمة تصل إلى منزلها. والعامل الذي فقد دخله لا يحتاج إلى مطالبة إضافية بالصبر، وإنما يحتاج إلى اقتصاد قادر على توفير فرص العمل والدخل. لهذا فإن التعامل مع الاحتجاجات السلمية يجب أن يبدأ بالاستماع إلى مطالبها، والتحقق منها، ووضع حلول عملية لها، مع احترام حق المواطنين في التعبير السلمي.

الاحتجاجات الحالية تضع السلطات أمام اختبار حقيقي. فإذا كانت عودة أمدرمان إلى حضن الدولة تعني عودة المواطن إلى الشوارع ليطالب بأبسط حقوقه، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يسيطر على الأرض، وإنما بنوع الدولة التي ستنشأ من بين أنقاض الحرب. السودانيون لا يريدون استبدال حرب بحرب، ولا يريدون استبدال الفقر بالخوف، ولا يريدون أن تتحول المدن التي نجت من المعارك إلى مدن عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحياة.

أمدرمان اليوم ترسل رسالة واضحة: انتهاء المعارك لا يعني انتهاء الأزمة. وإذا كانت السلطة تريد أن تتحدث عن استقرار وسلام وعودة للحياة، فعليها أن تجعل المواطن يرى ذلك في منزله وسوقه ومدرسته ومستشفاه، لا أن يسمعه فقط في البيانات الرسمية.

قد تتغير الهتافات، وقد تتغير الظروف، وقد تتبدل المواقع السياسية، لكن الذاكرة التي صنعتها ديسمبر لا تختفي بسهولة. الحرية والسلام والعدالة والعيش الكريم ليست شعارات مرتبطة بزمن محدد، بل مطالب يمكن أن تعود إلى الشارع كلما شعر المواطن أن الدولة ابتعدت عنه. ولذلك، فإن احتجاجات أحياء أمدرمان القديمة لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها تجمعات غاضبة بسبب الغلاء والخدمات. إنها، قبل كل شيء، تذكير بأن المواطن السوداني لم يفقد حقه في السؤال والمطالبة والمحاسبة. وربما تكون الرسالة الأوضح التي خرجت من شوارع العباسية والأربعين والحتانة هي أن الثورة، حتى عندما تصمت البنادق، تظل حاضرة في وعي الناس: فثورة ديسمبر لم تكن يومًا مجرد مواكب في الشوارع؛ كانت فكرة عن السودان الذي يريد الناس أن يعيشوا فيه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.