الإخوان.. حين تتحول الأيديولوجيا إلى وقود للأزمة

نورا عثمان

لم تبدأ مأساة السودان في أبريل 2023 من فراغ، كما أن استمرار الحرب حتى اليوم لا يمكن تفسيره فقط باعتباره صراعاً عسكرياً بين الجيش والدعم السريع. خلف المشهد العسكري تقف شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والتنظيمية، وفي قلبها خلافات حول مستقبل الدولة ومن يملك قرارها.

ومن بين أكثر القوى التي يثار حولها الجدل الحركة الإسلامية السودانية وقيادات النظام السابق، خصوصاً في ما يتعلق بموقفها من الانتقال المدني ومن استمرار الحرب.

وزارة الخزانة الأميركية قالت في سبتمبر 2025 إن عناصر إسلامية سودانية لعبت دوراً في تقويض الانتقال الديمقراطي، وإن شخصيات وتشكيلات إسلامية واصلت، بحسب تقييمها، عرقلة جهود وقف إطلاق النار. كما فرضت واشنطن عقوبات على «لواء البراء بن مالك» ووزير المالية جبريل إبراهيم، متهمة إياهما بالمشاركة في الحرب. وهذه اتهامات ومواقف صادرة عن الحكومة الأميركية، وليست أحكاماً قضائية نهائية.

كان سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019 ضربة تاريخية لنفوذ الحركة الإسلامية التي حكمت السودان لعقود. لكن سقوط النظام لم يعنِ اختفاء شبكات النفوذ المرتبطة به من مؤسسات الدولة والاقتصاد والأمن.

وبعد ثورة ديسمبر، أصبحت المعركة السياسية بالنسبة إلى الإسلاميين مرتبطة، بدرجات مختلفة، بمنع انتقال السودان إلى نظام مدني ديمقراطي قد ينهي امتيازاتهم السياسية والمؤسسية. وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن علي كرتي، الذي أصبح قائداً للحركة الإسلامية السودانية بعد سقوط البشير، قاد جهوداً قالت واشنطن إنها هدفت إلى عرقلة الانتقال الديمقراطي والاتفاق الإطاري، وربطت ذلك بالسياق الذي سبق اندلاع الحرب في أبريل 2023. وهنا تبرز المفارقة: القوى التي خسرت السلطة في الشارع لم تختفِ من المشهد، بل أعادت تنظيم حضورها داخل الصراع الجديد.

بالنسبة إلى قطاعات من الإسلاميين، أنتجت الحرب واقعاً سياسياً مختلفاً تماماً عن واقع ما بعد ديسمبر. ففي زمن الحرب تتراجع أولوية الانتخابات، وتتقدم أولوية الأمن والتعبئة العسكرية، ويصبح خطاب «العدو» أكثر تأثيراً من خطاب الإصلاح السياسي. وهذا ما يجعل استمرار الحرب، بيئة أكثر ملاءمة للقوى التي تخشى العودة إلى العملية المدنية. وتشير وزارة الخزانة الأميركية إلى أن عناصر إسلامية سودانية شاركت في القتال إلى جانب الجيش، وأن «لواء البراء بن مالك» الذي فرضت عليه العقوبات الأميركية عام 2025 مرتبط تاريخياً بقوات الدفاع الشعبي التابعة لنظام البشير. لكن من الضروري هنا عدم اختزال الجيش السوداني كله في الحركة الإسلامية؛ فالجيش مؤسسة تضم تيارات وشخصيات متعددة، كما أن مؤيدي الحرب داخل معسكره ليسوا جميعاً إسلاميين.

المشكلة الجوهرية لا تتمثل فقط في مشاركة عناصر إسلامية في الحرب، وإنما في محاولة تحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة لحسم الصراع السياسي. استمرار تداخل العسكري بالحزبي والتنظيمي يجعل الوصول إلى تسوية مدنية أكثر تعقيداً، لأن أي انتقال سياسي حقيقي سيعيد توزيع النفوذ داخل الدولة، وهو ما قد يتعارض مع مصالح قوى استفادت من استمرار الوضع الاستثنائي. تفكيك الأزمة يتطلب الفصل بين المؤسسة العسكرية كدولة وبين التنظيمات السياسية التي تعمل داخلها أو حولها، مع ضمان عدم استخدام السلاح لحسم المنافسة السياسية.

وفي سبتمبر 2026، قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إن الدعم العسكري الخارجي، بما في ذلك الأسلحة والطائرات المسيّرة والأفراد، أسهم في استمرار الحرب وتصعيد الهجمات على المدنيين. كما دعت واشنطن في يونيو 2026 إلى وقف الدعم المالي والعسكري لجميع أطراف الحرب، معتبرة أن شبكات التسليح والتمويل تواصل تغذية الصراع. إذن، فإن الأزمة أكبر من تنظيم واحد، لكن دور أي قوة سياسية أو عسكرية في إطالة الحرب يجب أن يخضع للتحقيق والمساءلة، أياً كانت هويتها.

الخطر لا يكمن فقط في مشاركة الإسلاميين في القتال، وإنما في عودة فكرة قديمة إلى المشهد: أن الطريق إلى السلطة يمر عبر القوة المسلحة وليس عبر صناديق الاقتراع.إذا أصبحت الحرب وسيلة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي، فإن وقف إطلاق النار لن يكون كافياً. المطلوب معالجة جذور الأزمة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس مدني، ومنع أي تنظيم سياسي من امتلاك نفوذ مسلح خارج مؤسسات الدولة».

وفي النهاية، لا يدفع ثمن الصراع التنظيمي بين الإسلاميين وخصومهم، ولا صراع الجنرالات على السلطة، قيادات الأحزاب وحدها. الثمن يدفعه المواطن الذي فقد منزله، والمزارع الذي تعطلت أرضه، والعامل الذي توقفت وظيفته، والطفل الذي خرج من المدرسة، والأسرة التي تنتظر المساعدات. تشير أحدث تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع في السودان، بينما بلغ عدد النازحين نحو 14 مليوناً، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

وهنا تصبح القضية أكبر من سؤال: من ينتصر في الحرب؟ السؤال الحقيقي هو: من سيعيد للسودانيين دولتهم؟ فإذا كان الهدف هو إنهاء الحرب، فإن إخراج السياسة من ثكنات السلاح يجب أن يكون جزءاً من الحل، وكذلك إخراج التنظيمات السياسية من منطق التعبئة العسكرية. السودان لا يحتاج إلى نسخة جديدة من دولة الحزب الواحد، ولا إلى دولة العسكر، ولا إلى دولة الميليشيات. يحتاج إلى دولة يكون فيها السلاح تحت سلطة المؤسسات، والسياسة عبر الانتخابات، والاختلاف عبر الحوار، والمحاسبة على الانتهاكات دون استثناء. أما استمرار الحرب باعتبارها طريقاً لإعادة توزيع السلطة والنفوذ، فلن ينتج سوى سودان أكثر فقراً وانقساماً، أياً كان الطرف الذي يعلن نفسه منتصراً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.