الجوع المصنوع: كيف تحولت «سلة غذاء العالم» إلى طابور إغاثة؟

بقلم: يوسف عزالدين

بين حبر المعاجم الذي صنّف السودان «سلة غذاء العالم»، وبين واقعٍ مرير يضعه اليوم في قاع أفقر بلدان الأرض، برزت فجوة عميقة لا تبتلع الثروات وحسب، بل تبتلع معها كرامة أمة كاملة.

 

إنها ليست مجرد مفارقة اقتصادية تُناقش في أروقة الجامعات، بل هي خطيئة تاريخية كبرى وجريمة مكتملة الأركان، يشترك في إثمها من أدار المشهد بالبندقية والفساد، ومن استسلم للانقسام من صُنّاع الرأي والمجتمع.

 

كيف ينام النيل في مضجعه هانئًا، وهو يرى الملايين من بنيه يبحثون عن كسرة خبز مغمسة بالذل في مخيمات النزوح؟

 

كيف تجود الأرض بـ175 مليون فدان من الخصوبة، بينما يستجدي أهلها القمح من وراء البحار؟

 

هذا ليس فقرًا في الموارد، فالسودان لم تُفقر أرضه يومًا، ولم تجف سماؤه، وإنما هو فقر الإرادة، ومجاعة الضمير، وعقم المسؤولية.

 

إن الملامة الأولى تقع على عاتق الحكومات والنخب السياسية والعسكرية المتعاقبة، تلك النخب التي تعاملت مع هذا الوطن الممتد كأنه غنيمة حرب، لا أمانة وطن.

 

ولعقود طويلة، صمتت الآذان عن صوت المحاريث، وعلا صوت المدافع، وأُهملت المشاريع.

 

لقد استبدل قادة هذا البلد استراتيجيات البناء والإنتاج باقتصادات الحروب العبثية، فكانت النتيجة الطبيعية أن يتحول الوطن من مشروع لإنقاذ البشرية من الجوع إلى بؤرة للمجاعة تستدر عطف المنظمات الدولية.

 

لكن النقد لا يجب أن يتوقف عند عتبات القصور والمقار الحكومية، بل يجب أن يتجاوزها ليواجه المواطن والنخب المجتمعية والثقافية.

 

لقد سقط الكثيرون في فخ الاستقطاب الأعمى، وقبول خطاب الكراهية والتقسيم الذي مزق النسيج الاجتماعي وعطّل عجلة الحياة اليومية.

 

إن التقاعس عن حماية مكتسبات الإنتاج، والاستسلام لثقافة الإحباط، والانجرار خلف صراعات الهوية الضيقة على حساب قضايا التنمية والعمل، جعل من المجتمع أرضًا خصبة لتمرير سياسات التدمير الذاتي.

 

كيف رضينا كأفراد ونخب ومجتمعات أن نرى قوافل القمح والماشية تخرج من أرضنا لتعمر بلادًا أخرى، بينما تفتك سوء التغذية بأطفالنا في أطراف المدن؟

 

إن إيقاظ الضمير السوداني اليوم يبدأ من الاعتراف بأن الجوع الحالي ليس قدرًا سماويًا، بل هو صناعة محلية بامتياز.

 

إن عودة السودان إلى وضعه الطبيعي لن تتحقق بالبكاء على أطلال شعار «سلة غذاء العالم»، بل بانتزاع هذا الحلم عبر وقف إطلاق النار الفوري، ودفن خطابات التشظي، وإعلاء صوت الإنتاج فوق صوت الرصاص.

 

إنها دعوة لتتحول الغيرة على الوطن من شعارات حماسية في المقاهي ومنصات التواصل إلى عرق يتصبب في الحقول والمصانع، ليعود النيل مصدرًا للحياة، لا شاهدًا على الموت ببطء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.