هل أدرك العطا خطورة هذا التصريح وهل القيادة العسكرية مستعدة لمواجهة الأدلة؟!
طيف أول:
هنا الكلماتُ عذارى حُرَّة، يجب ألا ترضخُ لأغلالِ التفسير، ولا تُحصر في موازين العبرات والظروف!!
ولعلّ أخطر ما جاء في حديث مساعد القائد العام للجيش ياسر العطا في حواره مع «الشروق» المصرية، ليس حديثه الذي ملأ الأسافير بأن (الجيش السوداني لا يريد الحكم لكن الظرف يفرض وجود القائد العام على رأس الدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية قادمة).
فالأخطر في رأيي، هو حديثه عن اتهامهم باستخدام الكيماوي؛ حيث صرح بعبارة كان ينتظرها المجتمع الدولي والعالم كله لمعرفة الحقيقة، إذ قال العطا إن الاتهام بالكيماوي كذبة سياسية من صنع «الدعم السريع» وداعميها، وأردف: “نرحب بلجنة تحقيق دولية”.
وتكمن أبعاد ودلالات هذا التصريح الصادر عن الفريق أول ركن ياسر العطا في توقيته وسياقه السياسي والدولي الحرج، إذ يحمل عدة رسائل ودلالات استراتيجية؛ فالرجل ربما صرح بذلك في محاولة لامتصاص الضغوط والتهديدات الدولية؛ فاتهام استخدام الأسلحة الكيميائية يُعدّ خطاً أحمر في القانون الدولي ويفتح الباب أمام تدخلات حاسمة أو عقوبات أممية وبنود تحت الفصل السابع.
وإعلان العطا الترحيب بـ “لجنة تحقيق دولية” قد يكون خطوة استباقية لنفي التهمة ونزع الذريعة عن أي تحرك دولي ضاغط، وإظهار ثقة الجيش بنظافة موقفه الميداني، ورمي الكرة في ملعب الخصوم والمجتمع الدولي بوصفه الاتهام بأنه “كذبة سياسية من صنع الدعم السريع وداعميه”، لنقل الجيش من موضع الدفاع والاتهام إلى موضع الهجوم السياسي عبر الإيحاء بأن ملف الكيماوي مجرد أداة في معركة العلاقات العامة والمناورة السياسية لاستدعاء تدخل خارجي أو فرض حظر طيران.
تزامن هذا التصريح مع تصريحاته الأخرى حول مستقبل الحكم وطبيعة الصراع، مما يعني أن القيادة العسكرية تسعى لتحصين شرعيتها الدولية والمحلية؛ فبينما يرسل رسائل حازمة سياسياً وميدانياً، يحاول في المقابل إغلاق الأبواب التي قد تُفتح لتصنيفه كملاذ أو طرف ينتهك القانون الدولي الإنساني.
لكن الأخطر أن هذا التصريح، باعتباره صادراً عن شخصية تشغل موقعاً مفصلياً كمساعد للقائد العام للجيش، يُعدّ التزاماً رسمياً باسم المؤسسة العسكرية السودانية أمام المحافل الدولية. وهذا يضع الجيش تحت طائلة المسؤولية والمراقبة، مما يجعل الرفض المستقبلي غير مقبول.
ويبدو أن واشنطن تعاملت معه بجدية؛ فالعطا صرح يوم الأحد للصحيفة المصرية، أعقبه مسعد بولس بتصريح لـ «سكاي نيوز» أمس الأول وقال: (نحن تعاملنا مع موضوع الكيماوي وفق ما يقتضيه القانون الأمريكي، وكانت هناك مهلة لجمع الأدلة، بعدها تأكدنا أن الجيش استخدم الكيماوي ونقلنا الملف لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ويجب على الجيش السوداني أن يتوجه للمنظمة).
العلاقة بين التصريحين تكشف عن كواليس المواجهة السياسية والدبلوماسية الحالية في رد مباشر من مستشار ترامب على حديث الرجل الثاني في الجيش السوداني، وهو ما يؤكد إحباط واشنطن لمناورة العطا الإعلامية؛ فعندما قال العطا إن الاتهام “كذبة سياسية ونرحب بتحقيق دولي”، كان يهدف لإحراج الخصوم إعلامياً وافتراض أن الأمر مجرد سجال صحفي، لكن بولس رد بحسم أسقط هذه الورقة، وأكد أن القضية ليست كذبة سياسية، وأن واشنطن تمتلك أدلة بالفعل وعملت وفق قانونها الداخلي ونقلت الملف رسمياً لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW).
ما يعني أن مستشار ترامب قام بتحويل “الترحيب الشفهي” إلى “إلزام قانوني ودولي”؛ فحديث العطا كان ينطوي على ثقة أو رهان على عدم جدية المجتمع الدولي، فجاء تصريح بولس وتلقّف القفاز وكأنه يقول للجيش السوداني: “بما أنكم ترحبون بالتحقيق، فقد أحيل الملف بالفعل إلى المنظمة المختصة وعليكم الذهاب إليها الآن لمواجهة الأدلة”.
وهو مايؤكد رفع مستوى الضغط السياسي والتهديد بالعزل؛ فتوقيت تصريح بولس عقب تصريح العطا مباشرة يهدف إلى قطع الطريق على القيادة العسكرية السودانية في استخدام الاستهلاك المحلي، ونقل القضية من خانة “اتهام الدعم السريع” إلى خانة “خلاصة الاستخبارات والتحقيقات الأمريكية”، ويضع المؤسسة العسكرية في مواجهة مباشرة مع المؤسسات الدولية.
وقال بولس عبارة أخرى: إن الملف بيد منظمة الأسلحة ويمكن أن يُحل وفق النظام الإداري للمنظمة، فالأمر لا يعود لنا بل هو من اختصاصها. وقوله “يمكن أن يُحل” هي عبارة دبلوماسية تؤكد أن أمريكا تستخدم ملف الكيماوي كورقة ضغط لوقف الحرب، أي أنها تريد الوصول إلى وقف إطلاق النار.
ولم يكتفِ بذلك، بل كتب تغريدة أمس: (تشارك حكومة الولايات المتحدة المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي قلقه بشأن الوضع العصيب في السودان. وقد قدمت الولايات المتحدة 375 مليون دولار لـ مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في السودان وبصفتها الممول الرئيسي لبرنامج الأغذية العالمي، حيث يعملان معاً لإنقاذ الأرواح في السودان. لا يوجد حل عسكري لهذا النزاع. ويجب على أطراف النزاع القبول بهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً تتيح وصول المساعدات الإنسانية دون أي عوائق).
هذه التغريدة تكشف استخدام أمريكا لكارت الكيماوي لفرض مسار الهدنة؛ فالتزامن الشديد بين إثارة ملف الكيماوي إعلامياً وبين الضغط الأمريكي المتواصل من أجل الهدنة الـ 90 يوماً يشير إلى أن واشنطن تستخدم هذا الملف لإجبار القيادة العسكرية على الانصياع لطاولة المفاوضات والقبول بالهدن الإنسانية لتفادي الملاحقات والدعاوى الدولية أي كأداة ضغط قصوى لإرغام القيادة العسكرية وعلى القبول بالحلول السياسية.
طيف أخير :
#لا_للحرب
رجّح سفير إسرائيل لدى الإمارات، يوسي شيلي، انضمام دولة خليجية جديدة إلى اتفاقات السلام مع تل أبيب قريباً. وقال يوسي شيلي في مقابلة مع هيئة البث الإسرائيلية «كان»، إن جهوداً تُبذل حالياً لتوسيع اتفاقات أبراهام، متوقعاً انضمام دولة خليجية جديدة إليها خلال الأشهر المقبلة، ومشيراً إلى احتمال أن تكون الدولة هي الكويت.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.