10 أشهر بلا رواتب كاملة.. معلمو السودان بين متأخرات الحرب و«راتب لا يكفي أسبوعاً»
تقرير ـ عين الحقيقة
في وقت يفترض أن يكون فيه المعلم أحد أعمدة إعادة بناء السودان بعد سنوات الحرب، يعيش آلاف العاملين في قطاع التعليم أوضاعاً مالية بالغة الصعوبة، في ظل تدني الأجور وتراكم المتأخرات وتوقف عدد من العلاوات والبدلات المستحقة.
وقالت لجنة المعلمين السودانيين إن راتب المعلم يتراوح حالياً بين 80 ألف جنيه كحد أدنى و220 ألف جنيه كحد أقصى، بينما لا يتجاوز راتب العامل في قطاع التعليم 25 ألف جنيه. وبحسب الأرقام الواردة في بيان اللجنة، فإن الحد الأدنى لراتب المعلم يعادل نحو 9.3 دولارات، فيما يعادل الحد الأقصى نحو 25.5 دولاراً، وفق سعر صرف يبلغ قرابة 8,600 جنيه للدولار.
10 أشهر من المتأخرات
الأزمة لا تتوقف عند انخفاض الراتب، إذ قالت لجنة المعلمين إن معلمي وعمال التعليم بولاية الخرطوم لديهم متأخرات تصل إلى عشرة أشهر، إلى جانب علاوات وبدلات ومنح قالت اللجنة إنها مستحقة منذ اندلاع الحرب.
وطالبت اللجنة حكومة ولاية الخرطوم بسداد المتأخرات، وتنفيذ الهيكل الراتبي والقرارات الرسمية الخاصة بمستحقات المعلمين. ويعني تراكم الرواتب لشهور طويلة أن العامل في التعليم لا يواجه فقط مشكلة انخفاض القوة الشرائية، وإنما يتحمل أيضاً عبء انتظار مستحقات مالية يفترض أن تمثل مصدر دخله الأساسي.
معلم بلا قدرة على مواجهة الغلاء
معلمون تحدثوا إلى «عين الحقيقة» ـ في إطار تقييمهم للأزمة ـ يرون أن المشكلة تجاوزت حدود ضعف المرتبات إلى تهديد مباشر لاستمرار المهنة نفسها. وقال أحد المعلمين، في تصريح لـ«عين الحقيقة»: «المشكلة ليست في الراتب المنخفض فقط، وإنما في تأخره لأشهر. كيف يستطيع المعلم أن يستمر في أداء رسالته وهو عاجز عن توفير احتياجات أسرته الأساسية؟» وأشار معلم آخر إلى أن الحرب رفعت تكلفة المواصلات والغذاء والسكن بصورة كبيرة، بينما ظلت رواتب العاملين في التعليم بعيدة عن مواكبة الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة.
وأضاف: «المعلم أصبح مضطراً للبحث عن مصادر دخل إضافية، وهذا ينعكس في النهاية على تركيزه واستقراره وقدرته على أداء عمله».
خبراء: أزمة المعلم تهدد مستقبل التعليم
ويرى خبراء في قطاع التعليم أن معالجة أوضاع المعلمين يجب ألا تُعامل باعتبارها ملفاً مالياً منفصلاً عن أزمة التعليم في السودان، لأن استقرار الكادر التعليمي يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة العملية التعليمية.
ويقول خبراء، في قراءة تحليلية لـ«عين الحقيقة»، إن تأخر الرواتب وتراجع قيمتها الحقيقية يمكن أن يدفع مزيداً من المعلمين إلى ترك المهنة أو البحث عن أعمال بديلة، خصوصاً في ظل اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة. كما أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى صعوبة استقطاب معلمين جدد، في وقت يحتاج فيه السودان إلى أعداد كبيرة من الكوادر التعليمية لتعويض آثار الحرب والنزوح وتدمير المؤسسات التعليمية.
الحرب تضرب المدرسة من جميع الاتجاهات
منذ اندلاع الحرب، تعرض قطاع التعليم لضغوط متراكمة؛ من بينها تضرر المؤسسات التعليمية، ونزوح المعلمين والطلاب، وتعطل الدراسة في مناطق واسعة، فضلاً عن نقص الموارد والكوادر. وبذلك يجد المعلم نفسه في قلب أزمة متعددة الأبعاد: راتب منخفض، متأخرات متراكمة، ارتفاع في تكاليف المعيشة، وبيئة تعليمية تعاني آثار الحرب.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه الظروف قد يجعل إعادة فتح المدارس وحدها غير كافية لاستعادة النظام التعليمي؛ إذ تحتاج العملية إلى إعادة تأهيل المؤسسات، توفير الكتب والمستلزمات، دعم الطلاب النازحين، والأهم ضمان استقرار المعلم مالياً ومهنياً.
«إنقاذ التعليم يبدأ من المعلم»
ويرى مختصون أن أي خطة لإعادة بناء التعليم بعد الحرب ينبغي أن تتضمن مساراً واضحاً لمعالجة متأخرات العاملين، ومراجعة هيكل الأجور، وضمان انتظام دفع الرواتب، وربط الأجور بالواقع الاقتصادي وتكاليف المعيشة. فالمعلم الذي ينتظر راتبه عشرة أشهر لا يواجه أزمة مالية شخصية فحسب، وإنما يعكس أزمة أوسع في قدرة الدولة على حماية واحدة من أهم وظائفها الأساسية.
مستقبل جيل كامل على المحك
الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بحقوق المعلمين المالية؛ فكلما طال تعطيل المدارس أو تدهورت ظروف العاملين فيها، ارتفعت كلفة الحرب على الأطفال والطلاب.
ومع وجود أعداد ضخمة من الأطفال خارج مقاعد الدراسة بسبب الحرب والنزوح، يصبح الحفاظ على المعلم واستبقاؤه في المهنة جزءاً أساسياً من معركة استعادة التعليم.
10 أشهر من المتأخرات.. وراتب أقصاه 220 ألف جنيه. بين الرقمين تتكشف أزمة قطاع كامل، بينما يبقى السؤال الأكبر: كيف يمكن إعادة بناء مدرسة سودانية قادرة على صناعة المستقبل، إذا كان معلمها نفسه يكافح من أجل تأمين حاضره؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.