حين تتعثر التحالفات.. هل تتحول مكة إلى سلاح سياسي؟

تقرير: عين الحقيقة

لم تعد الرياض تواجه اختباراً أمنياً واحداً، بل مجموعة اختبارات متزامنة تكشف حدود قدرتها على إدارة شبكة واسعة من التحالفات في منطقة تتحرك فيها الأزمات بسرعة أكبر من قدرة الاتفاقات السياسية على إنتاج نتائجها. ففي الوقت الذي دخل فيه الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان مرحلة الاختبار مع تصاعد الهجمات الحوثية، وجدت الرياض نفسها أمام سؤال آخر لا يقل تعقيداً: كيف يمكن بناء تحالفات إقليمية واسعة، بينما تظل الحسابات الوطنية لكل حليف أقوى من الالتزام النظري بأي اتفاق جماعي؟

مع تصاعد حدة الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، أعلنت باكستان أن أي استجابة عسكرية بموجب الاتفاق لم تكن قد نوقشت حتى ذلك الوقت..

في السابع من أغسطس الماضي، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقاً للدفاع المشترك ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً. وبعد أقل من شهر، اتفقت الدول الثلاث على إنشاء أمانة عامة للاتفاق في السعودية، في خطوة هدفت إلى تحويل التعاون الدفاعي إلى إطار أكثر تنظيماً. لكن التطورات الميدانية الأخيرة وضعت الاتفاق أمام اختبار لم يكن مؤجلاً طويلاً. ومع تصاعد حدة الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، أعلنت باكستان أن أي استجابة عسكرية بموجب الاتفاق لم تكن قد نوقشت حتى ذلك الوقت، مع تأكيدها الالتزام بالاتفاق. وفي الوقت نفسه، تحركت إسلام آباد دبلوماسياً باتجاه إيران، في محاولة لمنع اتساع المواجهة.

ويرى محلل سياسي فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» أن هذه التطورات تكشف أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في ضعف الاتفاق، وإنما في اختلاف مفهوم «الدفاع المشترك» بين الدول الموقعة عليه. ويقول المحلل إن الدولة التي تتعرض لهجوم قد تنظر إلى الاتفاق باعتباره مظلة ردع، بينما قد ترى دولة أخرى أن التزامها يبدأ بالدعم السياسي أو الاستخباري أو الدبلوماسي، وليس بالضرورة بإرسال قوات إلى ساحة القتال. وبذلك تصبح قوة الاتفاق مرتبطة ليس فقط بنصه، وإنما بقدرة الدول الثلاث على الاتفاق مسبقاً على تعريف الهجوم، وآلية اتخاذ القرار، وحدود التدخل.

مكة ببعدها الديني في قلب اختبار أمني

وجاء الحديث بشأن اعتراض السعودية لمسيرة جنوب مكة ليضيف بُعداً دينياً وعاطفياً جديداً إلى المشهد. وفي الصعيد، قد أعلنت الرياض اعتراض مسيرة حوثية قبل دخولها المجال الجوي المحظور فوق مكة، فيما نفى الحوثيون استهداف المدينة. وأكدت السعودية أن أمن مكة «خط أحمر». لكن أهمية الحادثة لا تتوقف عند طبيعة الهدف العسكري للمسيرة. فموقع مكة في الخطاب السعودي يمضي تجاه منح الحادثة وزناً يتجاوز الحسابات الأمنية التقليدية إلى حسابات عاطفية ودينية، خصوصاً في ظل التصعيد الإقليمي الذي بات يهدد طرق الطاقة والملاحة في البحر الأحمر.

وتشير الأحداث والتحركات الحوثية الأخيرة إلى أن السعودية لا تواجه فقط هجمات متفرقة، بل بيئة أمنية متشابكة تمتد من اليمن إلى البحر الأحمر، مروراً بممرات الطاقة والتجارة الدولية. وقد دفعت هجمات الحوثيين الأخيرة الرياض إلى رفع مستويات التحذير الأمني، بالتزامن مع تهديدات متزايدة للممرات البحرية الحيوية.

براء علاقات دولية أن التحدي السعودي الحقيقي يتمثل في منع تحول تعدد الجبهات إلى استنزاف استراتيجي، خصوصاً عندما تكون بعض الدول الحليفة حريصة في الوقت نفسه على تجنب مواجهة مباشرة مع إيران.

وهنا يرى خبراء علاقات دولية أن التحدي السعودي الحقيقي يتمثل في منع تحول تعدد الجبهات إلى استنزاف استراتيجي، خصوصاً عندما تكون بعض الدول الحليفة حريصة في الوقت نفسه على تجنب مواجهة مباشرة مع إيران.

السودان.. الاختبار الأصعب

إذا كانت أزمة التحالف الدفاعي تكشف حدود الالتزام بين الحلفاء، فإن السودان يكشف مشكلة أكثر تعقيداً: حدود التوافق بين المصالح السعودية والواقع السياسي داخل الدولة التي تحاول الرياض الحفاظ على وحدتها. السعودية تؤكد دعم وحدة السودان وسيادته، وتشارك في الجهود الرامية إلى وقف الحرب والوصول إلى تسوية سياسية. لكن الحرب السودانية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين؛ فقد أصبحت ساحة تتداخل فيها مصالح إقليمية، وحسابات البحر الأحمر، وشبكات التسليح، والقوى السياسية والأيديولوجية و«الإخوان المسلمين».

وهنا تبرز الحركة الإسلامية السودانية بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للرياض.

ففي مارس 2026 أعلنت واشنطن إجراءات ضد الحركة الإسلامية السودانية، مع مسار لتصنيفها تنظيماً إرهابياً أجنبياً، في خطوة تستهدف الحد من نفوذها وقدرتها على العمل السياسي والمالي.

كما سبق لوزارة الخزانة الأميركية أن فرضت عقوبات على قيادات وكيانات إسلامية سودانية، بينها لواء البراء بن مالك، وربطت هذه الجهات باستمرار الحرب وبمحاولات عرقلة الانتقال السياسي.

المفارقة بالنسبة للرياض أن الجيش السوداني الذي تتعامل معه باعتباره مؤسسة من مؤسسات الدولة يعمل داخل بيئة سياسية وعسكرية تضم قوى متعددة وكتائب جهادية إسلامية متطرفة، من بينها كتائب البراء التي تنتمي للحركة الإسلامية ذات النفوذ العسكري القوي داخل المعسكر المؤيد له «الرياض».

ويقول خبير في العلاقات الدولية لـ«عين الحقيقة» إن السعودية أمام معادلة صعبة: فهي تريد الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع تفكك البلاد، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول عملية دعم المؤسسة العسكرية إلى إعادة إنتاج نفوذ سياسي للإسلاميين.

ويضيف أن التعامل مع الجيش لا يعني بالضرورة تبني كل القوى الموجودة في محيطه، لكن استمرار الحرب يرفع تكلفة هذا الفصل؛ لأن طول أمد الصراع قد يمنح القوى الأكثر تنظيماً وقدرة على التعبئة مساحة أكبر للتأثير في شكل الدولة المقبلة.

المطلوب ليس فقط حماية دولة من الانهيار، وإنما المساهمة في تشكيل بيئة سياسية تمنع إعادة إنتاج أسباب الحرب.

الرياض بين الضرورة والمخاطرة

من هنا تبدو السياسة السعودية في السودان محكومة بثلاثة اعتبارات متنافسة: منع انهيار الدولة، حماية أمن البحر الأحمر، والحفاظ على توازن إقليمي لا يسمح بتمدد خصوم الرياض. لكن هذه الأهداف لا تتحرك دائماً في الاتجاه نفسه. فالحفاظ على مؤسسة عسكرية قوية قد يساعد في منع تفكك الدولة، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال شكل الحكم بعد الحرب. ودعم الجيش قد يحافظ على تماسك مؤسسات الدولة، لكنه لا يضمن تلقائياً إبعاد قوى الحركة الإسلامية و«الإخوان» عن عملية صناعة القرار.

كما أن إطالة الحرب تحمل مخاطر تتجاوز السودان نفسه، في ظل ارتباط البحر الأحمر بأمن الطاقة والتجارة العالمية. وبحسب المحلل السياسي، فإن المعضلة السعودية ليست في امتلاك النفوذ، وإنما في تحويل النفوذ إلى نتائج سياسية قابلة للاستمرار. فالاتفاقات والتحالفات تمنح الرياض أدوات، لكنها لا تضمن وحدها أن تستخدم هذه الأدوات بالطريقة نفسها من جانب جميع الشركاء. وهنا يصبح السودان اختباراً أكثر تعقيداً من أي اتفاق دفاعي؛ لأن المطلوب ليس فقط حماية دولة من الانهيار، وإنما المساهمة في تشكيل بيئة سياسية تمنع إعادة إنتاج أسباب الحرب.

السؤال المفتوح

السعودية اليوم أمام معادلة جديدة: تحالف دفاعي يحتاج إلى اختبار عملي، وبيئة إقليمية تتسع فيها مصادر التهديد، وملف سوداني لا يمكن فصله عن أمن البحر الأحمر وتداخل إيران والحركة الإسلامية السودانية بكتائبها العسكرية المنخرطة في القتال إلى جانب الجيش السوداني. وإذا كان اتفاق مكة قد كشف مبكراً أن النصوص الدفاعية تحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة بعيداً عن حلقات «العواطف الدينية»، فإن السودان يكشف أن النفوذ السياسي يحتاج بدوره إلى تصور واضح لما بعد الحرب.

السؤال بالنسبة للرياض لم يعد فقط: من يقف معنا عندما نتعرض للهجوم؟ بل أصبح أوسع: هل تستطيع السعودية تحويل تحالفاتها ونفوذها الإقليمي إلى ترتيبات سياسية وأمنية تنتج استقراراً فعلياً، أم أن تعدد وتشابك المصالح سيظل أقوى من قدرة التحالفات على صناعة القرار المشترك؟

في مكة، يُختبر الأمن حدود التحالف.

وفي السودان، تختبر الحرب حدود النفوذ السعودي والتقاطع الإيراني والإسلاميين. وبين تعدد الاختبارات، تبدو الرياض أمام مرحلة حرجة جداً لا يكفي فيها الإعلان عن الشراكات، بل يصبح معيار النجاح هو القدرة على تحويلها إلى نتائج سياسية وأمنية ملموسة بعيداً عن خيوط تحالفاتها التي تتحرك فيها الآن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.