العطا يفتح باب «الرئاسة المفتوحة».. هل يستعد الجيش لإبقاء البرهان فوق صناديق الاقتراع؟
تقرير: عين الحقيقة
أثارت التصريحات الأخيرة لمساعد القائد العام للجيش ورئيس هيئة الأركان الفريق أول ركن ياسر العطا جدلاً سياسياً واسعاً، بعدما تحدث صراحة عن توجه داخل المؤسسة العسكرية للإبقاء على الفريق أول عبد الفتاح البرهان على رأس الدولة لعدة دورات انتخابية، مبرراً ذلك بالحاجة إلى منع انهيار الدولة وتقوية الأحزاب. وقال العطا، في حوار مع صحيفة «الشروق» المصرية، إن الجيش يرى ضرورة أن يكون القائد العام للقوات المسلحة رأساً للدولة خلال ثلاث أو أربع دورات انتخابية مقبلة، مع تولي الأحزاب الفائزة تشكيل الحكومة التنفيذية. كما تحدث عن أكثر من رؤية داخل قيادة الجيش بشأن ترتيبات الحكم بعد الحرب. ويعيد هذا الطرح إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل تتجه المؤسسة العسكرية إلى صياغة نظام سياسي تكون فيه الانتخابات موجودة، لكن رأس الدولة محسوماً سلفاً لصالح القيادة العسكرية؟
«الجيش لا يريد السلطة».. ثم إبقاء القائد العام رئيساً لعدة دورات
المفارقة الأبرز في تصريحات العطا أنه يؤكد أن الجيش «لا يريد حكم البلاد»، لكنه في الوقت نفسه يطرح بقاء القائد العام للقوات المسلحة على رأس الدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية. ويرى مراقبون أن هذه المعادلة تضعف عملياً الفارق بين الدولة المدنية و«الدولة ذات الواجهة الانتخابية والوصاية العسكرية»، خصوصاً إذا كانت المؤسسة العسكرية هي التي تحدد مسبقاً موقع القائد العام في قمة السلطة. ولم تكن هذه الفكرة جديدة تماماً في خطاب العطا؛ فقد سبق له في سبتمبر 2024 أن تحدث عن بقاء البرهان على رأس الدولة حتى بعد الانتخابات لثلاث أو أربع دورات، مع تأكيده آنذاك أن القوات المسلحة لن تتخلى عن السلطة.
البرهان.. من قائد للمرحلة الانتقالية إلى رئيس لعدة دورات؟
منذ أغسطس 2019، يتولى البرهان رئاسة مجلس السيادة، واستمر في موقعه بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023. ويطرح حديث العطا الأخير تصوراً يتجاوز المرحلة الانتقالية إلى ترتيب سياسي طويل الأمد يمنح القائد العام دوراً محورياً في رئاسة الدولة حتى بعد إجراء الانتخابات. ويرى محللون أن خطورة الطرح لا تكمن فقط في شخص البرهان، وإنما في تحويل الاستثناء العسكري إلى قاعدة سياسية، بحيث يصبح وجود المؤسسة العسكرية في قمة هرم الدولة جزءاً دائماً من النظام السياسي، بدلاً من أن تكون مهمتها الأساسية حماية الدستور والحدود والمؤسسات المنتخبة.
الحركة الإسلامية.. الحاضر الغائب في معادلة السلطة
وتأتي تصريحات العطا في وقت تتصاعد فيه النقاشات حول نفوذ التيارات الإسلامية داخل معسكر الجيش، وحول مستقبل القوى السياسية المتحالفة مع المؤسسة العسكرية بعد انتهاء الحرب. ويقول مراقبون إن الحديث عن «تقوية الأحزاب» قبل اكتمال عملية سياسية شاملة يفتح الباب أمام سؤال آخر: أي أحزاب يقصد العطا؟ ومن يملك القدرة على تنظيمها وتمويلها وحشدها في ظل استمرار الحرب؟ وهنا تظهر حساسية الطرح بالنسبة للقوى المدنية، التي تخشى أن تكون الانتخابات مجرد مرحلة لإضفاء الشرعية على ترتيبات سياسية جرى الاتفاق عليها مسبقاً داخل مراكز القوة العسكرية والحزبية.
آراء خبراء ومراقبين: ثلاث رسائل خطيرة
قراءة سياسية.. يرى محللون أن تصريحات العطا تمثل انتقالاً من الحديث عن «مرحلة انتقالية» إلى التفكير في هندسة نظام سياسي طويل الأمد تكون فيه المؤسسة العسكرية صاحبة الكلمة الفصل، بينما تتولى الحكومة المدنية إدارة الجهاز التنفيذي فقط.
قراءة دستورية حيث يعتبر مراقبون أن جوهر الديمقراطية لا يتمثل في مجرد إجراء انتخابات، وإنما في حرية الترشح والمنافسة وتداول السلطة والمساواة بين المرشحين وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة. وبالتالي فإن تحديد موقع القائد العسكري في رئاسة الدولة لعدة دورات مسبقاً يفرغ مبدأ التداول من مضمونه.
قراءة داخلية، ويرى خبراء أن تصريحات العطا قد تكشف أيضاً عن تباين داخل معسكر السلطة نفسه بشأن شكل الحكم بعد الحرب؛ فالعطا تحدث صراحة عن وجود أكثر من رؤية داخل قيادة الجيش، بينها رؤية تجعل القائد العام رئيساً للدولة في الدورة الأولى، وأخرى تدفع لاستمرار دوره لثلاث أو أربع دورات.
«الديمقراطية» وفق تعريف العطا
يحاول العطا تقديم تصوره باعتباره متوافقاً مع الديمقراطية، قائلاً إن الديمقراطية تعني الانتخابات، ومتسائلاً عن حق العسكري بعد إحالته إلى المعاش في الترشح لمنصب سياسي. لكن منتقدي هذا التصور يطرحون سؤالاً مختلفاً: هل تكفي صناديق الاقتراع وحدها لصناعة الديمقراطية؟ فالانتخابات، وفق القراءة السياسية التقليدية، لا تصبح ديمقراطية كاملة إذا كانت إحدى مؤسسات الدولة الأقوى تمتلك القدرة على تحديد شكل النظام السياسي، أو إذا كان موقع رأس الدولة محكوماً مسبقاً باعتبارات عسكرية.
السودان أمام معادلة جديدة
وبينما تستمر الحرب وتتعاظم الأزمة الإنسانية والاقتصادية، تأتي هذه التصريحات لتضيف ملفاً جديداً إلى الصراع: شكل الدولة بعد الحرب ومن يملك حق تحديد مستقبل الحكم. فبدلاً من أن ينصب النقاش فقط على موعد الانتخابات، يبرز سؤال أعمق: هل ستكون الانتخابات مدخلاً إلى تداول حقيقي للسلطة، أم آلية لإعادة إنتاج سلطة قائمة مع تغيير واجهتها؟
ويرى مراقبون أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل العملية السياسية السودانية، خصوصاً في ظل الدعوات المتزايدة إلى إنهاء الحرب وإطلاق مسار مدني شامل لا يستثني القوى السياسية والاجتماعية، ولا يسمح في الوقت نفسه بإعادة إنتاج النظام القديم تحت مسميات جديدة.
تصريحات ياسر العطا لا تبدو مجرد حديث عابر عن مرحلة ما بعد الحرب؛ فهي تضع تصوراً واضحاً لدور المؤسسة العسكرية في النظام السياسي المقبل، وتعيد إلى الواجهة معركة أقدم من الحرب نفسها: هل يحكم السودانيون عبر صناديق الاقتراع، أم تُجرى الانتخابات داخل نظام تحدد المؤسسة العسكرية مسبقاً سقف السلطة فيه؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.