منذ اندلاع الحرب في السودان، كان السؤال الذي يشغلنا أكبر من سؤال من ينتصر ومن يخسر. كنا ننظر إلى ما يمكن أن تفعله الحرب بالسودان إذا طال أمدها، وما يمكن أن تفعله بالسودانيين إذا تحولت من مواجهة مسلحة إلى واقع دائم.
منذ الأيام الأولى قلنا إن الحرب ليست حلا للأزمة السياسية، وإنها لن تبقى بالضرورة محصورة بين طرفيها. فكلما طال أمدها، اتسعت دائرتها، ودخلت عليها مصالح إقليمية ودولية، وتعددت الأطراف المستفيدة والمتضررة، وأصبح الوصول إلى تسوية سودانية خالصة أكثر صعوبة.
لم يكن ذلك تنبؤا بالغيب بل كان استنتاجا بسيطا من قراءة طبيعة الدولة السودانية وتركيبتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن معرفة أن الحروب حين تطول لا تظل كما بدأت.
والآن، للأسف، أصبح جزء كبير مما كنا نحذر منه واقعا.
لكنني لا أريد أن أعود إلى هذه التحذيرات لأقول إننا كنا على حق.
فالقول “حذرناكم” لا يعيد بيتا تهدم، ولا يعيد نازحا إلى مدينته، ولا يعيد طالبا إلى مدرسته، ولا يوفر الدواء لمريض، ولا يعيد للسودانيين سنوات العمر التي ابتلعتها الحرب.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو:
كيف نوقف هذا النزيف؟
الحرب لا تبقى في الجبهات ربما كان أكبر خطأ في النظر إلى الحرب هو التعامل معها باعتبارها مواجهة عسكرية تدور في مناطق محددة، وأن انتهاء العمليات العسكرية سيعيد الأمور إلى ما كانت عليه فالحرب لا تعمل بهذه الطريقة.
حين تطول الحرب، تبدأ في الانتقال من الجبهة إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الاقتصاد، ومن الاقتصاد إلى مؤسسات الدولة، ثم تعود آثارها كلها إلى المواطن ولهذا فإن المواطن الذي لم يحمل بندقية أصبح طرفا في نتائج الحرب من دون أن يكون طرفا فيها.
هو الذي يدفع ثمن ارتفاع الأسعار، وانقطاع الخدمات، وفقدان مصدر الدخل، وتعطل التعليم، وتراجع الرعاية الصحية، والنزوح، وتفكك الأسر، وانعدام الأمان.
والأخطر أن آثار الحرب لا تتوقف عند ما نراه اليوم.
هناك آثار لا تظهر في أرقام القتلى والنازحين والدمار.
هناك جيل يتعلم في ظروف استثنائية، وأطفال يكبرون في بيئة يسودها الخوف، وشباب تتعطل سنواتهم الإنتاجية، وأسر فقدت الاستقرار، ومجتمعات بدأت تتعامل مع السلاح باعتباره وسيلة للحماية أو وسيلة للحصول على الحقوق وهنا تتحول الحرب من حدث سياسي إلى عملية تغيير عميقة في المجتمع.
حين يصبح السلاح بديلا عن الدولة
الدولة ليست جيشا فقط، كما أنها ليست حكومة فقط…الدولة هي المؤسسات والقانون والاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والقضاء والخدمات، وهي قبل ذلك كله علاقة ثقة بين المواطن والدولة.
عندما تضعف هذه المؤسسات أمام السلاح، لا تكون الخسارة مجرد خسارة إدارية ..إنها خسارة في فكرة الدولة نفسها.
فالمواطن الذي لا يجد مؤسسة يلجأ إليها للحصول على حقه، قد يبحث عن جماعة تحميه.
والمجتمع الذي لا يجد قانونا يساوي بين أفراده، قد يبدأ في البحث عن حماية تقوم على الانتماء.
وهكذا تتحول الاختلافات السياسية، التي كان من الممكن معالجتها بالحوار والمؤسسات، إلى اصطفافات اجتماعية ومناطقية وجهوية وهذا هو الخطر الذي يجب أن نخاف منه أكثر من استمرار المعارك في جبهة هنا أو مدينة هناك.
لأن الحرب قد تتوقف في يوم من الأيام، لكن إذا تغيرت علاقة السودانيين بالدولة، فإن آثارها قد تستمر لعقود من حرب داخلية إلى صراع تتقاطع فيه المصالح.
حذرنا أيضا من أن استمرار الحرب سيفتح الباب أمام التدخلات الخارجية.
وهذا أمر طبيعي في الحروب الطويلة فحين يطول الصراع ويحتاج كل طرف إلى المال والسلاح والدعم السياسي واللوجستي، تبدأ أطراف خارجية في الدخول إلى المشهد، وكل طرف خارجي يأتي معه حساباته ومصالحه وأولوياته.
وعند هذه النقطة يصبح السودان أكثر من مجرد بلد يعيش حربا أهلية لكن للأسف يصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين وهنا لا تكمن المشكلة فقط في وجود تدخل خارجي، وإنما في أن يصبح مستقبل السودان مرتبطا بتوازنات لا يملك السودانيون وحدهم مفاتيحها.
وهذا تحديدا ما يجعل إطالة الحرب خطرا على السيادة الوطنية فالسيادة ليست مجرد رفع العلم السوداني على مبنى حكومي السيادة تعني أن يكون السودانيون قادرين على تحديد مستقبل بلادهم، وأن يكون القرار الوطني ناتجا عن إرادة وطنية، لا نتيجة لتوازنات السلاح أو ضغوط الخارج.
السودان لا ينهار دفعة واحدة
هناك تصور شائع بأن انهيار الدول يحدث في لحظة واحدة، عندما تسقط العاصمة أو تنهار الحكومة أو تتغير السلطة لكن التاريخ يقول إن الدول يمكن أن تضعف تدريجيا.
قد يبدأ الأمر بتعطيل المؤسسات، ثم تراجع الاقتصاد، ثم ضعف الخدمات، ثم انتشار السلاح، ثم تآكل الثقة، ثم ظهور مراكز نفوذ متعددة، وبعد ذلك يصبح ترميم الدولة أكثر صعوبة من مجرد إنهاء الحرب.
ولهذا فإن الخطر على السودان لا يقاس فقط بعدد المدن التي تدور فيها المعارك.
يجب أن نسأل أيضا:ماذا حدث للإنتاج؟
ماذا حدث للزراعة؟
ماذا حدث للصناعة؟
ماذا حدث للتعليم؟
ماذا حدث للصحة؟
ماذا حدث للطبقة الوسطى؟
ماذا حدث للقوى العاملة؟
وماذا حدث لملايين السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم؟
هذه كلها أجزاء من الدولة وإذا دمرت الحرب هذه الأجزاء، فإن إعادة بناء السودان لن تكون مجرد اتفاق سياسي بين النخب ستكون عملية إعادة بناء دولة ومجتمع واقتصاد في آن واحد.
الاقتصاد لا ينتظر السياسيين..في علم الاقتصاد، لا يمكن إيقاف الإنتاج لسنوات ثم توقع أن تعود الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها بمجرد توقف الحرب لأن المصانع التي توقفت لا تعود للعمل بضغطة زر.
المزارع التي فقدت الموسم الزراعي لا تستعيد محصولها بأثر رجعي.
رأس المال الذي خرج من البلاد لا يعود بمجرد إعلان السلام.
والعامل الذي فقد عمله لسنوات يحتاج إلى أكثر من مجرد وظيفة حتى يستعيد استقراره.
والاقتصاد الذي يفقد الثقة يحتاج إلى وقت طويل حتى يستعيدها.
لهذا فإن استمرار الحرب يعني أن تكلفة اليوم ليست فقط تكلفة اليوم بل إنها أيضا تكلفة المستقبل.
فكل سنة إضافية من الحرب تعني خسارة إنتاج كان يمكن أن يتحقق، وتعليما كان يمكن أن يحدث، واستثمارا كان يمكن أن يدخل، ومشروعا كان يمكن أن ينمو، وأسرة كان يمكن أن تعيش حياة أكثر استقرارا.
وهذه الخسائر لا تظهر كلها في التقارير الاقتصادية فبعضها يظهر بعد سنوات.
ماذا يعني ذلك لوحدة السودان؟
وحدة السودان ليست مجرد أن تظل حدوده مرسومة كما هي على الخريطة!
الوحدة الحقيقية هي أن يشعر السوداني في دارفور وكردفان والجزيرة والخرطوم والشرق والشمال بأن الدولة دولته، وأن حقوقه لا تعتمد على القوة التي تحمي منطقته، وأن مستقبله لا يتحدد بسبب قبيلته أو جهته وكلما ضعفت الدولة المركزية، وكلما طال وجود السلاح خارج المؤسسات، يصبح خطر تحول الانقسامات السياسية إلى انقسامات اجتماعية وجغرافية أكبر.
ولهذا فإن الحديث عن وحدة السودان لا يمكن أن يكون مجرد خطاب عاطفي فالوحدة تحتاج إلى دولة عادلة، ومؤسسات قوية، ومواطنة متساوية، وتنمية متوازنة، ونظام سياسي يستطيع إدارة الاختلاف دون اللجوء إلى السلاح.
لسنا أمام سؤال من ينتصر وهنا أعود إلى النقطة التي أرى أنها الأهم…نحن الذين رفضنا الحرب منذ بدايتها لسنا أمام معركة ننتظر نتيجتها لنعلن انتصار طرف أو هزيمة طرف.
لم نكن طرفا في هذه الحرب، ولا ينبغي أن يصبح المواطن السوداني طرفا فيها لمجرد أنه اضطر إلى اختيار مكان يحتمي فيه أو جهة تساعده على البقاء لأن القضية أكبر من ذلك.
القضية هي السودان نفسه.
ولهذا فإن اختزال الأزمة في سؤال من ينتصر عسكريا يختزل المأساة كلها في زاوية ضيقة.
قد يستطيع طرف أن يحقق تقدما عسكريا، لكن ذلك لا يعني أن السودان انتصر.
وقد يستطيع طرف آخر السيطرة على منطقة، لكن ذلك لا يعني أن الدولة استعادت عافيتها.
الانتصار العسكري لا يعادل بالضرورة الانتصار للدولة.
والدولة التي نريدها لا ينبغي أن تقوم على انتصار السلاح على المجتمع، وإنما على انتصار المؤسسات والقانون على منطق القوة.
كيف نوقف النزيف؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن ننتقل إليه الآن.
أولا، يجب أن يكون وقف الحرب أولوية حقيقية، وليس مجرد شعار يستخدمه السياسيون بينما تستمر العمليات على الأرض.
ثانيا، حماية المدنيين يجب أن تكون في قلب أي عملية سياسية، لأن المواطن ليس رقما في معادلة التفاوض.
ثالثا، لا بد من مسار سياسي سوداني واسع لا يختزل السودان في القوى المسلحة، ولا يحصر مستقبله في تفاهمات بين من يملكون القوة العسكرية.
رابعا، يجب أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة من المؤسسات، لا من إعادة توزيع النفوذ بين مراكز القوة.
خامسا، لا بد من معالجة الأسباب التي قادت إلى الحرب، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها.
وسادسا، يجب أن يكون الاقتصاد جزءا أساسيا من مشروع السلام، لأن السلام من دون إنتاج وفرص عمل وخدمات وتعليم وصحة سيظل سلاما هشا قابلا للانتكاس.
والأهم من ذلك كله أن يدرك السودانيون أن وقف الحرب ليس تنازلا لطرف، وليس انتصارا لطرف آخر.
إنه إنقاذ للسودان.
لم يعد لدينا وقت لنضيعه ولربما كانت أكبر مأساة في هذه الحرب أننا نتعامل أحيانا مع الزمن وكأنه محايد.
“الزمن ليس محايدا”.
كل يوم تستمر فيه الحرب يترك أثرا جديدا.
طفل يفقد عاما دراسيا.
مريض يفقد فرصة علاج.
مزارع يفقد موسما.
عامل يفقد وظيفته.
أسرة تفقد بيتها.
شاب يفقد سنوات من عمره.
ومجتمع يفقد جزءا من تماسكه.
ودولة تفقد جزءا من قدرتها على القيام بوظائفها.
لهذا فإن السؤال لم يعد فقط: متى تتوقف الحرب؟
السؤال الأكثر إلحاحا هو:
كم من السودان يمكن أن ننقذ إذا استمرت الحرب؟
لقد حذرنا من أن الحرب إذا طال أمدها ستخرج عن حدود المواجهة بين طرفين، وستفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية، وستضعف الدولة وتهدد المجتمع والاقتصاد ووحدة البلاد وقد حدث الكثير مما كنا نخشى حدوثه لكن التاريخ لا يمنحنا شيئا لأننا كنا على حق في التحذير.
الذي يمنحنا الحق هو أن نتحمل مسؤولية اللحظة الحالية ولذلك لا أرى أن الوقت وقت تسجيل النقاط على الآخرين، ولا وقت توزيع صكوك البراءة…إنه وقت إنقاذ.
إنقاذ الإنسان السوداني.
إنقاذ الدولة.
إنقاذ الاقتصاد.
إنقاذ المجتمع.
وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من وحدة السودان.
نحن لم نرفض الحرب منذ بدايتها لأننا كنا نعرف من سينتصر، وإنما لأننا كنا نعرف أن استمرارها سيجعل السودان هو الخاسر الأكبر.
واليوم، بعد أن أصبح التحذير واقعا، لا يكفي أن نقول إننا كنا على حق لكن المطلوب أن نمنع الكارثة من أن تصبح قدرا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.