السودان الذي يفكر بأمسِه

م. معاوية ماجد

في كل مرة كان السودان يفتح فيها بابا جديدا في تاريخه السياسي، كان شيء قديم يدخل معه من الباب نفسه، كأن البلاد، وهي تحاول أن تبدأ، لم تكن تستطيع أن تترك وراءها كل ما اعتادت عليه. تتغير الوجوه في الخرطوم، تتبدل الشعارات، تتغير أسماء الحكومات، وتأتي جموع جديدة إلى الشوارع وهي تحمل أحلاما مختلفة، لكن شيئا خفيا كان يظل جالسا في مكانه، يراقب كل هذا التغيير من دون أن يتغير كثيرا: طريقة التفكير في السياسة، وفي الدولة، وفي السلطة، وفي الآخر الذي لا يشبهنا.
ولعل أغرب ما في التاريخ السياسي السوداني أن الذين عاشوا مراحله المختلفة لم يكونوا يفتقرون إلى الأفكار بالمعنى البسيط للكلمة. كانت هناك أفكار كثيرة، ومشروعات كثيرة، وخطب وبيانات وبرامج ومؤتمرات واتفاقات، وكان لكل مرحلة قاموسها الخاص الذي تتحدث به عن المستقبل. غير أن المشكلة كانت في مكان أكثر عمقا وأقل ظهورا؛ في الطريقة التي كنا ننتج بها أفكارنا السياسية، وفي قدرتنا على إخضاعها للشك والمراجعة والاختبار، وفي استعدادنا للاعتراف بأن الفكرة التي بدت صالحة بالأمس قد لا تكون صالحة اليوم، وأن حسن النية لا يجعل الفكرة صحيحة، كما أن سوء نية الخصم لا يجعل فكرته خاطئة بالضرورة.
حين خرج السودان إلى الاستقلال، لم يكن أمامه فراغ سياسي ينتظر من يملأه، بل كان يحمل معه تاريخا من التكوينات الاجتماعية والسياسية، ومن الولاءات، ومن التنافس بين مشاريع مختلفة للسودان الذي يريد أن يكونه. وكانت النخبة الوطنية، وهي تنتقل بالبلاد من عهد إلى عهد، تواجه سؤالا أكبر من مجرد الحصول على الاستقلال: ماذا سنفعل بهذا البلد بعد أن يصبح القرار في أيدينا؟ غير أن السؤال سرعان ما تشعب في اتجاهات أخرى، وصار الصراع السياسي في أحيان كثيرة يدور حول من يملك الدولة أكثر مما يدور حول أي دولة نريد، وحول من يصل إلى السلطة قبل أن يستقر النقاش حول طبيعة السلطة نفسها.
كان السودان قد ورث مؤسسات دولة حديثة بالمعنى الإداري، لكنه لم يكن قد حسم بعد الأسئلة التي تجعل الدولة الحديثة ممكنة في مجتمع متعدد الأقاليم والثقافات والخبرات التاريخية والمرجعيات. ولذلك بدت السياسة أحيانا وكأنها محاولة لإدارة الخلاف قبل أن تكون محاولة لفهمه، وأصبح من السهل أن تتحول الخلافات حول الدستور والهوية والعلاقة بين المركز والأطراف والدين والدولة وشكل الحكم إلى معارك بين قوى سياسية، بدلا من أن تكون موضوعات تأسيسية يجري حولها نقاش طويل، تتغير فيه الآراء كلما ظهرت حجة أقوى أو تجربة أكثر إقناعا.
وهنا تظهر قيمة التفكير النقدي في السياسة، لا بوصفه تمرينا فلسفيا منفصلا عن الواقع، وإنما باعتباره شرطا لكي لا تتحول السياسة إلى تكرار منظم للأخطاء. فالتفكير النقدي لا يعني أن يكون الإنسان معارضا دائما، ولا أن يعيش السياسي في حالة شك تجاه كل شيء، وإنما يعني أن يتعامل مع أفكاره باعتبارها قابلة للخطأ، وأن يملك الشجاعة التي تجعله يضع فكرته على الطاولة كما يضع خصمه فكرته، ثم يقبل بأن تخضع الاثنتان للمناقشة نفسها. وربما لهذا تبدو عبارة كارل بوبر عن إمكان أن أكون مخطئا وأن يكون الآخر على حق أكثر من مجرد جملة فلسفية؛ فهي تضع السياسة أمام فضيلة نادرة: أن يدخل الإنسان النقاش مستعدا لاكتشاف خطئه، لا مستعدا فقط لإثبات صوابه.
في التجربة السياسية السودانية، كثيرا ما كان الاعتراف بالخطأ يبدو أقرب إلى الهزيمة منه إلى الفضيلة، وكأن السياسي الذي يراجع موقفه يخسر مكانته، بينما الذي يظل متمسكا بموقفه مهما تبدلت الوقائع يبدو أكثر ثباتا. وهكذا تحولت المواقف، مع الوقت، من اجتهادات قابلة للمراجعة إلى هويات شخصية وتنظيمية، وأصبح التراجع عن فكرة ما يحتاج أحيانا إلى شجاعة أكبر من شجاعة تبنيها في البداية، لأن صاحبها لا يخشى فقط أن يكون قد أخطأ، وإنما يخشى أن يقال إنه خان جماعته أو تراجع عن تاريخه أو خذل الذين صدقوا خطابه.
ربما لهذا لم يكن الانتقال من الديمقراطية إلى الحكم العسكري مجرد نتيجة لأزمة سياسية عابرة، كما لم يكن تكرار الانقلابات العسكرية مجرد حوادث منفصلة يمكن وضع كل واحد منها في ملف مستقل ثم إغلاقه. كان في كل انقلاب شيء من عجز السياسة عن معالجة أزمتها السابقة، وفي كل عودة إلى الديمقراطية شيء من عدم القدرة على التعلم الكامل من التجربة التي سبقتها. نغيّر شكل السلطة، ثم نعود إلى الطريقة نفسها في إنتاجها، نرفض الانقلاب لأنه صادر السياسة، ثم نعيد إنتاج البيئة التي تجعل السياسة عاجزة عن حماية نفسها، ونحتفي بالديمقراطية باعتبارها حلا، ثم نختلف حول قواعدها وكأننا نكتشفها للمرة الأولى.
ولم تكن المشكلة أن السودانيين لم يعرفوا الديمقراطية أو لم يسمعوا بالدستور أو لم يقرأوا تجارب العالم، بل إن المعرفة وحدها لم تكن كافية. فالمعرفة السياسية التي لا تتحول إلى طريقة في التفكير يمكن أن تصبح مجرد ذاكرة، والذاكرة السياسية حين لا تخضع للنقد تتحول إلى صندوق يحمل أخطاء الماضي من جيل إلى جيل، ثم يفتح كل جيل الصندوق وكأنه وجد فيه الحقيقة كاملة. ولهذا كنا نستعيد التاريخ كثيرا في خطبنا وخصوماتنا وتخويناتنا وتعريفنا لأنفسنا ولخصومنا، لكننا لم نكن نستعيده بالقدر نفسه بوصفه تجربة ينبغي أن نتعلم منها كيف أخطأنا في التفكير، لا فقط أين أخطأ الآخرون في التصرف.
ثم جاءت سنوات الإنقاذ، بما حملته من مشروع أيديولوجي حاول أن يعيد تشكيل الدولة والمجتمع والسياسة من أعلى، وفي تلك السنوات لم تختف مشكلة التفكير السياسي، وإنما أخذت شكلا أكثر حدة؛ أصبحت الفكرة الواحدة أكثر قدرة على احتكار المجال العام، وأصبح الاختلاف معها يُقرأ في كثير من الأحيان بوصفه خصومة مع المشروع نفسه. وحين تصبح الفكرة فوق النقد، يتحول صاحبها بالتدريج من سياسي يملك اجتهادا إلى وصي يملك حقيقة، وعندها لا تعود الدولة ساحة لتجربة الأفكار، بل تصبح الأداة التي تحرس الفكرة من نتائج التجربة.
لكن سقوط نظام الإنقاذ لم يسقط معه كل ما كان يحتاج إلى مراجعة. خرج السودانيون إلى الشوارع في ديسمبر 2018، ثم امتدت الثورة إلى عام 2019، حاملة رغبة هائلة في التغيير، وكان المشهد أكبر من أن تختصره شعارات سياسية بعينها؛ كان فيه جيل يريد أن يستعيد حقه في أن يكون شريكا في صناعة مستقبله. ومع ذلك دخل الانتقال الذي أعقب الثورة، بسرعة مؤلمة، في دوائر الصراع القديمة نفسها: المدني والعسكري، المركز والأطراف، القوى السياسية والشارع، النخب والجماهير، ثم صراع على الشرعية وعلى من يملك حق الحديث باسم الثورة ومن يملك حق تمثيل الدولة.
كان يمكن لتلك اللحظة أن تكون فرصة نادرة لإعادة بناء السياسة من داخلها، لا فقط لإعادة توزيع المقاعد، لكن السنوات التالية أظهرت مرة أخرى كم هو صعب أن تتحول الرغبة في التغيير إلى تغيير في طريقة التفكير. ظلت قطاعات واسعة من النخبة تتعامل مع السياسة بمنطق المنتصر والمهزوم، ومع الشريك بمنطق الثقة أو الخيانة، ومع الاختلاف بمنطق الاصطفاف، بينما كان البلد نفسه يحتاج إلى عقل يستطيع أن يعيش مع التعقيد من دون أن يحوله إلى تبسيط، وأن يرى خصمه بوصفه طرفا في وطن لا عقبة في طريق مشروعه.
ثم جاءت الحرب، وكأن التاريخ قرر أن يضع أمامنا مرآة أكبر من قدرتنا على الهرب منها. وفجأة لم يعد ممكنا إخفاء هشاشة كثير من المسلمات التي عشنا بها سنوات طويلة. الدولة التي ظننا أن مؤسساتها ستظل قائمة اكتشفنا هشاشتها، والمجتمع الذي كنا نتحدث باسمه من مكاتبنا ومدننا وأحزابنا ظهر بصورة أكثر تنوعا وتعقيدا، والناس الذين كانوا مجرد أرقام في البيانات صاروا هم القصة نفسها: نازحا ومهاجرا ولاجئا وفاقدا لبيته أو عمله أو مدينته أو عائلته.
في الحروب الكبرى لا تنهار المدن وحدها؛ تنهار أيضا بعض الأفكار التي كانت تبدو راسخة قبلها. ولعل أصعب ما تضعه الحرب أمام العقل السياسي ليس فقط كيفية إيقافها، وإنما كيفية فهم الطريق الذي قاد إليها من دون البحث عن تفسير مريح يلقي المسؤولية كلها على جهة واحدة ويمنحنا نحن راحة البراءة. فالتفكير النقدي يبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن استخدام التاريخ كسلاح، ويبدأ في استخدامه كمرآة.
ولعلنا، ونحن نحاول قراءة هذا التاريخ من جديد، نحتاج إلى شيء من الحساسية التي جعلت ابن خلدون لا يكتفي بسماع الخبر، وإنما يختبره بواقع العمران نفسه. فالرواية، مهما شاعت ومهما اطمأن إليها أصحابها، لا تصبح حقيقة لمجرد أنها وجدت من يرويها؛ ينبغي أن تحتملها الوقائع، وأن تنسجم مع طبيعة الاجتماع، وأن تصمد أمام العقل الذي لا يكتفي بأن يعرف من قالها، وإنما ينظر أيضا إلى إمكان حدوثها كما رويت. وهذه ليست مسألة تخص قراءة كتب التاريخ وحدها، بل طريقة ضرورية في قراءة حاضرنا أيضا.
ولو طبقنا شيئا من هذا المنهج على تاريخنا السياسي، لوجدنا أننا كثيرا ما صدقنا روايات لأننا أحببناها، ورفضنا أخرى لأننا كرهنا أصحابها، وقرأنا الأحداث من داخل مواقعنا أكثر مما قرأناها من داخل تعقيدها. ولهذا بقيت روايات متعارضة عن التاريخ السوداني تعيش في الوقت نفسه، وكل جماعة تحمل نسختها الخاصة من الماضي، ثم تدخل بها إلى المستقبل وهي مقتنعة بأن عليها أن تنتصر لروايتها قبل أن تسمح لنفسها بفحصها.
لكن السياسة لا تعيش من دون تعدد، وهذه واحدة من الأفكار التي تجعل حنة آرنت حاضرة هنا بقدر ما تخدم الفكرة، لا بقدر ما تستعرض الثقافة. فالتعدد عندها ليس تفصيلا في الحياة السياسية، بل شرط لها؛ البشر لا يعيشون في العالم بوصفهم نسخة واحدة من الإنسان، وإنما بوصفهم أفرادا مختلفين، لكل واحد منهم منظوره وحكايته وموقعه، ولذلك لا يكتمل الفعل السياسي في غياب الآخرين.
قد يبدو ذلك بديهيا، لكن تاريخنا السياسي يقول إننا لم نكن دائما نتصرف على أساسه. كنا نريد من الحوار أن ينتهي إلى الاتفاق قبل أن يبدأ، ونريد من الآخر أن يدخل معنا إلى المائدة وقد تخلى مسبقا عن جزء من رؤيته، ونريد للتعدد أن يبقى في حدود تسمح لنا بأن نحتفظ نحن بالتصور الصحيح. وهكذا أصبح الحوار في كثير من الأحيان طريقة أكثر هدوءا لإدارة الخصومة، لا وسيلة لاكتشاف ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا وعن بلدنا.
ومن هنا تأتي أهمية الحوار السوداني–السوداني الذي يطل اليوم وسط هذا الركام كله. قيمته الحقيقية لن تكون في عدد الذين يجلسون إلى المائدة، ولا في عدد الأوراق التي تصدر عنها، ولا في الصورة التي تلتقط في بداية الجلسة، وإنما في قدرته على نقل السياسة السودانية من سؤال توزيع السلطة إلى سؤال تأسيس الدولة نفسها؛ من سؤال «من يحكم؟» إلى أسئلة أعمق عن شكل الدولة التي نريدها، وعن معنى المواطنة، وعن العلاقة بين المدني والعسكري، وعن المركز والأقاليم، وعن الدين والدولة، وعن الدستور الذي لا يكون مجرد ورقة مؤقتة، وعن المؤسسات التي لا تتغير قواعدها كلما تغيرت موازين القوة.
والحوار الحقيقي لا يفترض أن الجميع كانوا على خطأ بالقدر نفسه، ولا يعني أن الضحية والجاني يقفان على مسافة أخلاقية واحدة، لكنه يحتاج إلى مساحة يستطيع فيها المجتمع السياسي أن يراجع افتراضاته من دون أن تتحول المراجعة إلى محاكمة للنوايا. وفي هذا المعنى يصبح الحوار فعلا سياسيا بالمعنى الأعمق، لأنه يعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي: مساحة مشتركة بين المختلفين، لا غرفة مغلقة يتبادل فيها أصحاب القوة مفاتيح الدولة.
ولعل أصعب ما يمكن أن يطلب من النخبة السياسية في هذه اللحظة هو أن تدخل الحوار وهي مستعدة لأن تخسر بعض يقينها. فالحوار الذي يبدأ بإرادة تثبيت المواقف القديمة لن ينتج إلا صياغة جديدة لها، أما الحوار الذي يسمح لأطرافه بأن تكتشف أن بعض ما ظنته حقيقة قد يكون مجرد عادة فكرية، فإنه يفتح الباب أمام معرفة لا يمكن الوصول إليها من داخل الاصطفاف وحده. وليس المطلوب أن يتفق السودانيون على كل شيء، فذلك ليس من طبيعة السياسة ولا من طبيعة المجتمعات الحية، وإنما أن يتفقوا على أن الدولة أكبر من أن تكون غنيمة في نهاية كل صراع، وأن السلطة ليست مكافأة لمن ينتصر، وأن الاختلاف لا يمنح أحدا حق إخراج الآخر من الوطن.
وهنا يصبح التفكير النقدي أكثر من مفهوم فلسفي جميل؛ يصبح ممارسة سياسية يومية، وطريقة في صناعة القرار، وفي اختيار الحلفاء، وفي بناء المؤسسات، وفي قراءة التاريخ، وفي التعامل مع المختلف، وفي معرفة اللحظة التي ينبغي فيها أن يتمسك الإنسان بموقفه، واللحظة التي يصبح فيها التمسك به مجرد دفاع عن صورة قديمة لنفسه.
وربما كانت المأساة الأعمق في تجربتنا السياسية أن أخطاء كثيرة مرت أمامنا من غير أن تتحول بالقدر الكافي إلى معرفة، وأن تجارب كاملة انتهت من غير أن تتحول إلى أسئلة، وأن أجيالا متعاقبة ورثت نتائج ما قبلها أكثر مما ورثت القدرة على نقدها. ولهذا لم يعد كافيا أن نبحث عن طريق للخروج من الحرب، أو عن صيغة جديدة للسلطة، أو عن اتفاق يوقف النزيف، لأن كل ذلك يمكن أن يعيد إنتاج نفسه إذا دخلناه بالعقل الذي صنع الطريق القديم، وإذا ظللنا نتعامل مع السياسة باعتبارها معركة لإثبات من كان على حق، لا مساحة لاكتشاف ما الذي جعلنا جميعا، بدرجات مختلفة، نصل إلى هذه الهاوية.
وربما لهذا كله لم يكن السودان يعيش في أسر أمسه فقط، وإنما كان يحمل أمسه معه كلما حاول أن يذهب إلى غده؛ يحمل أفكاره القديمة وهو يرفع شعارات جديدة، ويحمل خصوماته القديمة وهو يتحدث عن المصالحة، ويحمل تصورات قديمة عن الدولة وهو يبحث عن عقد اجتماعي جديد، حتى بدا كأن الزمن يتقدم وحده بينما ظل العقل السياسي واقفا عند عتبة الأمس، ينظر إلى المستقبل من بعيد، ثم يعود في كل مرة إلى ما يعرفه، لا لأنه أفضل بالضرورة، وإنما لأنه مألوف.
عندها يمكن أن نفهم أن الخروج من هذه الدائرة لا يبدأ بالضرورة من تغيير الوجوه، ولا من إنتاج شعار جديد، ولا حتى من كتابة اتفاق آخر، وإنما من لحظة أكثر هدوءا وأشد صعوبة: أن ننظر إلى الطريقة التي كنا نفكر بها ونحن نصنع تاريخنا، وأن نمتلك الشجاعة الكافية لنقول إن بعض ما اعتقدناه يقينا لم يكن سوى اجتهاد، وإن بعض ما دافعنا عنه طويلا ربما يحتاج إلى أن يوضع أمام العقل مرة أخرى.
فإذا استطاع الحوار السوداني–السوداني أن يفتح هذه المساحة، فإنه يكون قد بدأ شيئا أعمق من محاولة الاتفاق على المستقبل؛ يكون قد بدأ استعادة القدرة على التفكير في المستقبل بعقل لا يخشى مراجعة نفسه. وعندها فقط يمكن أن تبدأ السياسة في مغادرة منطق الغلبة إلى منطق الدولة، وأن يصبح الاختلاف جزءا من البناء لا ذريعة للهدم، وأن تتحول الذاكرة من مخزن للخصومات إلى مصدر للمعرفة.
وربما كان السودان قد دفع ثمنا باهظا لأنه ظل طويلا يحاول تغيير نتائج السياسة من دون أن يغيّر كثيرا من طرائق التفكير التي تنتج تلك النتائج. تبدلت الحكومات، وتبدلت الشعارات، وتبدلت التحالفات، وسقطت أنظمة وقامت أخرى، ودخلت البلاد في تجارب ديمقراطية وعسكرية وثورية وحوارية، لكن شيئا ظل أكثر مقاومة للتغيير من كل ذلك: العقل الذي يرى السياسة من داخل الماضي ثم يطلب من المستقبل أن يشبه ما يعرفه.
ولعل لحظة الخروج الحقيقية تبدأ حين يصبح المستقبل أكثر من مكان نريد الوصول إليه، ويصبح طريقة مختلفة في النظر إلى الأشياء؛ حين لا يكون الحوار طريقا قصيرا إلى اتفاق، وإنما بداية لتعلم شيء ظللنا نؤجله طويلا: كيف نفكر في بلدنا قبل أن نقرر كيف نحكمه.
عندها فقط لا يكون السودان قد غادر أمسه تماما، فهذا مستحيل، وإنما يكون قد فعل ما هو أكثر أهمية؛ أن يتعلم كيف يحمل ماضيه من دون أن يسمح له بأن يقود خطواته، وكيف يستفيد من ذاكرته من دون أن يتحول إلى أسير لها، وكيف يدخل إلى الغد وهو يعرف أن أخطر ما يمكن أن يحمله الإنسان معه إلى المستقبل ليس أخطاء الماضي وحدها، وإنما اليقين بأن الطريقة التي فكر بها بالأمس لا تحتاج إلى مراجعة.
وربما لهذا كله لا تكون الحكاية في النهاية عن السودان الذي أخطأ في اختيار الطريق، بقدر ما تكون عن السودان الذي ظل، في لحظات كثيرة، يفكر بأمسه وهو يتحدث عن غده.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.