مسيرات إيران في حرب السودان.. طهران تسلّح والخرطوم تنفي

تقرير: عين الحقيقة

في الوقت الذي تواصل فيه الخرطوم نفي حصول الجيش السوداني على أسلحة إيرانية، تكشف معلومات أوردتها وكالة «رويترز» ونشرتها صحيفة «الشرق الأوسط» عن حضور متزايد للطائرات المسيّرة الإيرانية الصنع في سماء الحرب السودانية، ودور محتمل لها في تغيير موازين القتال حول العاصمة.

مصدر عسكري سوداني رفيع: الطائرات أسهمت في تغيير مسار المعارك، بينما أفادت ستة مصادر إيرانية ومسؤولون إقليميون ودبلوماسيون بأن الجيش السوداني حصل خلال الأشهر الماضية على طائرات مسيّرة إيرانية الصنع..

التقرير، الذي استند إلى شهادات ومعلومات من مصادر عسكرية وإيرانية وإقليمية ودبلوماسية، يشير إلى أن طائرات مسيّرة إيرانية ساعدت القوات المسلحة السودانية على وقف تقدم قوات الدعم السريع واستعادة مواقع في محيط الخرطوم، عبر تعزيز قدراتها في الاستطلاع وتحديد الأهداف وتوجيه نيران المدفعية.

وبحسب «رويترز»، قال مصدر عسكري سوداني رفيع إن هذه الطائرات أسهمت في تغيير مسار المعارك، بينما أفادت ستة مصادر إيرانية ومسؤولون إقليميون ودبلوماسيون بأن الجيش السوداني حصل خلال الأشهر الماضية على طائرات مسيّرة إيرانية الصنع. وهنا تبرز المفارقة: معلومات متقاطعة من مصادر متعددة تتحدث عن مسيّرات إيرانية ودورها في العمليات العسكرية، في مقابل نفي رسمي سوداني يحاول إبقاء مسار وصول هذه الأسلحة وطبيعة التعاون العسكري مع طهران خلف ستار من الغموض.

من مسيّرات محدودة إلى سلاح أكثر دقة

خلال الأشهر الأولى للحرب، اعتمد الجيش السوداني على طائرات مسيّرة قديمة إلى جانب الطائرات المقاتلة والمدفعية، لكنه واجه صعوبة في التعامل مع انتشار قوات الدعم السريع داخل الأحياء المكتظة بالسكان في الخرطوم ومدن أخرى.

لكن المشهد بدأ يتغير، وفق التقرير، في يناير 2024، عندما ظهرت طائرات مسيّرة أكثر فاعلية تعمل انطلاقًا من قاعدة وادي سيدنا العسكرية شمال أم درمان. وقال خمسة شهود من سكان المنطقة إن الطائرات الجديدة كانت تراقب تحركات قوات الدعم السريع وتستهدف مواقعها، كما ساعدت في تحديد أهداف للمدفعية داخل أم درمان.

وقال محمد عثمان، أحد سكان حي الثورة، البالغ من العمر 59 عامًا، إن الجيش بدأ باستخدام طائرات مسيّرة دقيقة في عملياته، ما أسهم، بحسب روايته، في دفع قوات الدعم السريع إلى الانسحاب من مناطق عدة، قبل أن تنتشر فيها القوات البرية للجيش. ولا تكمن أهمية هذه المعلومات في مجرد وجود مسيّرات إيرانية في السودان، بل في توقيت ظهورها وتأثيرها على سير المعارك؛ إذ تزامن استخدامها الأكثر فاعلية مع تحسن قدرة الجيش على استعادة مواقع في أم درمان ومحيط الخرطوم.

إيران تنفي من خلف الستار.. والخرطوم تنفي من الواجهة

ورغم تعدد المصادر التي تحدثت عن الطائرات الإيرانية، فإن الجيش السوداني المتحالف مع مليشيا الحركة الإسلامية ينفي حصول الجيش على أسلحة من طهران. وقال مصدر عسكري سوداني رفيع لـ«رويترز» إن الطائرات الإيرانية الصنع لم تصل إلى السودان مباشرة من إيران، لكنه رفض الكشف عن الطريقة التي حصل بها الجيش عليها أو عن عدد الطائرات التي تلقاها.

وأوضح المصدر أن العلاقات الدبلوماسية بين الخرطوم وطهران استؤنفت في العام السابق، بينما لم يكن التعاون العسكري الرسمي بين البلدين قد استؤنف، بحسب روايته.

وفي الاتجاه ذاته، نفى وزير الخارجية السوداني المكلف آنذاك، علي الصادق، حصول السودان على أسلحة إيرانية، قائلًا لـ«رويترز»: «السودان لم يحصل على أي أسلحة من إيران». لكن النفي الرسمي لم يضع حدًا للأسئلة، خصوصًا مع حديث مصدر إقليمي قريب من القيادة الإيرانية عن نقل طائرات مسيّرة من طرازي «مهاجر» و«أبابيل» إلى السودان عدة مرات منذ أواخر عام 2023.

وبحسب المصدر، جرت عمليات النقل عبر شركة «Qeshm Fars Air» الإيرانية، فيما تصنع طائرات «مهاجر» و«أبابيل» شركات تعمل تحت إشراف وزارة الدفاع الإيرانية. ولم ترد وزارة الدفاع الإيرانية، ولا الدائرة الإعلامية للجيش السوداني، على طلبات «رويترز» للتعليق على هذه المعلومات.

سلاح في الحرب.. وأسئلة خارج المعركة

تكشف هذه المعطيات أن الطائرات المسيّرة لم تعد مجرد أداة عسكرية هامشية في الحرب السودانية، بل أصبحت جزءًا من معادلة القوة، خصوصًا في معارك المدن التي تحتاج إلى استطلاع دقيق وتحديد للأهداف قبل توجيه الضربات. وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى أن المسيّرات ساعدت الجيش في مراقبة تحركات قوات الدعم السريع، وتحديد مواقعها، وتوجيه المدفعية، واستهداف مواقع عسكرية، وهي قدرات كان لها أثر مباشر في تحسين أداء القوات الحكومية حول الخرطوم.

لكن الجانب الأكثر إثارة للجدل لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بالمسار الذي سلكه للوصول إلى السودان. فإذا كانت الطائرات المسيّرة إيرانية الصنع بالفعل، وإذا كانت قد استخدمت في العمليات العسكرية كما تشير شهادات المصادر، فإن السؤال لا يعود فقط: من استخدمها؟ بل يصبح: من موّلها؟ وكيف وصلت؟ ومن سمح بمرورها؟ ولماذا تصر الجهات الرسمية على نفي العلاقة العسكرية المباشرة مع طهران؟ وفي المقابل، فإن غياب الأدلة العلنية التي تكشف بصورة قاطعة مسار نقل هذه الطائرات وعددها يترك مساحة للنفي الرسمي، لكنه لا يلغي ما أوردته المصادر المتعددة التي تحدثت عن وجودها ودورها في المعارك.

حرب السودان.. ساحة مفتوحة لتدفق السلاح

تأتي هذه التطورات بينما تدخل الحرب السودانية عامها الرابع، بعد أن تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لتدفق الأسلحة والدعم الخارجي، في ظل استمرار القتال واتساع الكلفة الإنسانية. وبحسب الشهادات التي نقلتها «رويترز»، تزامن الاستخدام الأكثر دقة للطائرات المسيّرة مع نجاح الجيش في دفع قوات الدعم السريع إلى الانسحاب من عدد من المواقع في أم درمان، ثم إدخال قوات برية إلى المناطق التي أخليت. وبذلك، تبدو المسيّرات الإيرانية، وفق المعطيات التي أوردها التقرير، أكثر من مجرد صفقة تسليح عابرة؛ فهي جزء من تحول في أدوات الحرب نفسها، ومن سباق تسلّح يجعل المدنيين يدفعون ثمنه بينما تتسع ساحات القتال.

وفي النهاية، يبقى حتي الآن النفي الرسمي قائمًا، كما تبقى المعلومات التي أوردتها «رويترز» وشهادات المصادر المتعددة بحاجة إلى مزيد من الأدلة العلنية التي تكشف حقيقة العلاقة العسكرية بين الخرطوم وطهران. لكن المؤكد أن سماء السودان لم تعد ساحة للحرب الداخلية وحدها؛ فقد أصبحت أيضًا مجالًا تتقاطع فيه مصالح القوى الإقليمية وشبكات السلاح، بينما تستمر الخرطوم في نفي ما تشير إليه تقارير وشهادات عن الدعم الخارجي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.