قبل اندلاع الحرب اللعينة كنت امر بطريق القيادة واشاهد العمل الحثيث المتسارع في بناء اسوار حول القيادة العامة. وكنت اظن انها ليست سوى باب من أبواب العدوان على المال العامة التي يبرعون فيها، ولكن هنا بوسيلة لا يمكن صدها او رفضها، الا أننى اكتشفت غير ذلك بعد اندلاع الحرب، وأن في الامر إن. فرجعت بذاكرتي للعام 2007 الذى نشرت فيه مقالا في جريدة الراية القطرية بعنوان (الاسوار العقيمة) وكنت اظن انها في عصر التقنية الحديثة و الأقمار الاصطناعية أصبحت اثرا بعد عين، وشاهدا على زمن ولى بما به و بما عليه، وقلت في ذلك المقال، إذا كانت للأسوار في غابر الأزمان أهمية وفاعلية في حماية الدول أو الممالك أو الإمبراطوريات من غزوات الأعداء. فذلك لأن الإنسان حينها لم ينل حظا وافرا من العلم والمعرفة، وما زال علي تخوم حياته المتوحشة البدائية العدائية. ولذلك برع الأوائل في ابتداع الأنماط المختلفة للأسوار والتحصينات والقلاع الدفاعية علي جبهات القتال. ومنها الأسوار التي تقام حول المدن، إلا أن الغرض من الاثنين واحد، هو التوجس والخوف من الآخر، أو العجز عن صده بوسائل أخري. والمعروف أن التاريخ والآثار احتفظتا لنا بالعديد منها. وأشهرها احدي عجائب الدنيا وهي سور الصين العظيم. وإذا كان وجودها في تلك الأزمان مبررا ومفيدا، الى حد ما. ولكن ما فائدتها الآن وقد وصل الإنسان إلي حظ وافر من التهذيب والوعى؟ وتوصل إلي وسائل متحضرة لدرء المخاطرعن بلدانه، بالتفاوض والتصالح، والدعوة للسلام، والمحبة الأخوية، والإنسانية. وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال، استنادا إلي التقدم العلمي والتقني والوعى المكتسب عبر القرون. ولكن يبدو أن الأمر ليس كذلك. فبعض الدول، ومنها بلدنا العزيز، ما زالت علي بدائيتها، وعجزت عن الوصول الي أساليب متحضرة للتعامل مع الآخرين. وما زال بعض الحكام علي حظ من التخلف والطبيعة المرتابة. إما لعجز في صد الآخرين بالحسني، أو لأنهم مغتصبون يريدون التعامل بفهم القطيع والقطعان. وهكذا فعل البرهان عندما اقام أولا سورا ترابيا حول القيادة، الا انه سرعان ما اكتشف وبعبقرية خنفشارية متوجسة، ان السور الترابية لن تحميه من ردود أفعال القادم المتوجس، فقالت له ذات العبقرية ان الاسوار الخرسانية اقوى واشد منعة، حتى لو وقعت السماء، وستحميك من القادم، وهكذا أحاط القيادة مرة أخرى بتلك الاوار الخرسانية العالية، التي ما صدت عنه طلقة او أوقفت من جعلوه يهبط للبدرون في ذات القيادة المحصنة. والتاريخ القريب يؤكد ان الأسوار مهما كانت منعتها، او تقدم التقنية التي قامت عليها، اوكثافة الحراسة المضروبة حولها، لن تصد صاحب حق اوقضية عن اختراقها، طال الزمن او قصر. فالعديد من الأسوار اليوم أصبحت مجرد بنايات أثرية. ورمزا للكراهية والبغض والسمعة السيئة، فسور برلين كمثال عبر بوضوح عن ضيق أفق من فكر فيه ومن وافقه عليه ومن شيده. ويليه في المرتبة، بل يفوقه بغضا سور الفصل العنصري الذي شيدته إسرائيل، والآخر الذي أقامته باكستان علي حدودها مع أفغانستان. والأسباب واحدة. وهي أن الإنسان متي ما استبد به الخوف، لجأ إلي بناء أسوار تحميه من الخطر وتقيه من الاختراق. وما زال البعض إلي يومنا هذا يري أنها الحل، علي الرغم من ان هذه الأسوار علي مختلف أنماطها لم تحم بانيها من الخوف، ولم تكسبه الأمن. فهل من مُذَكَّر؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.