حين يدافع الأستاذ عن الجامعة في وجه إساءة المهنة

حسن عبدالرضي الشيخ

في زمنٍ اختلطت فيه الموازين، يصبح من الوفاء للمؤسسات العريقة أن يقول أهلها كلمة الحق حين يُساء إليها من داخلها.
ولذلك جاءت كلمة الدكتور محمد أمين صديق، أستاذ كلية العلوم بجامعة الخرطوم، في تعليقه على تسجيلات الدكتور ياسر حنفي، كلمةً تستحق التقدير؛ لأنها لم تكن مجرد مشادة بين زملاء، وإنما كانت دفاعًا هادئًا عن معنى الجامعة، وعن أخلاق الأستاذ، وعن قدسية المهنة.
لقد بدأ الدكتور محمد أمين كلمته من موضع الألم: الحزن على جامعة الخرطوم. وهذا هو المدخل الصحيح. فالجامعة ليست جدرانًا ولا مناصب ولا قرارات إدارية؛ الجامعة عقلٌ وضميرٌ ورسالة.
وحين يتحول المنبر الأكاديمي إلى ساحة للتجريح والتهديد والتصنيف السياسي، فإن الذي يُهان ليس شخصًا بعينه، وإنما تُهان فكرة الجامعة نفسها.
وما يبعث على الأسى أن يصدر عن طبيب وأستاذ جامعي خطابٌ يقوم على الشتم والتحقير، وأن تُستعمل أوصافٌ مهينة بحق الطلاب والزملاء، وأن تتحول الخلافات الأكاديمية والإدارية إلى تصنيفات سياسية من شاكلة «قحاطة» وغيرها.
هذه ليست لغة جامعة.
فالطبيب الذي يحمل مسؤولية حياة الإنسان ينبغي أن يكون أكثر الناس انضباطًا في الكلمة، والأستاذ الذي يقف أمام طلاب الطب ينبغي أن يكون نموذجًا في الأخلاق قبل أن يكون نموذجًا في المعرفة.
والأخطر من الإساءة اللفظية هو أن يُستخف بمعايير تقويم طلاب الطب، حتى يُقال عن امتحانٍ يفترض أن يقيس كفاءة طالب في سنته النهائية ما يوحي بأنه يستطيع أن يجتازه أي شخص لا علاقة له بالطب.
هنا ينبغي أن نتوقف.
الطب ليس مجالًا للتهاون.
فالطبيب غير المؤهل لا يخطئ في ورقة امتحان؛ قد يخطئ في جسد إنسان، وقد يكون ثمن الخطأ حياة إنسان.
ومن هنا كانت ملاحظة الدكتور محمد أمين حول مفهوم Mastery Exam ذات دلالة مهمة؛ إذ إن التقويم الأكاديمي ليس أداة للتهديد أو الانتقام، وإنما وسيلة للتأكد من بلوغ الطالب مستوىً من الكفاءة يؤهله لممارسة المهنة.
أما تحويل الامتحان إلى وسيلة لإخضاع الطلاب، أو جعل الرسوب عقوبةً لموقف إداري أو خلاف أكاديمي، فذلك يهدم جوهر العملية التعليمية.
ثم إن الخلاف حول مواعيد الامتحانات، في ظروف الحرب والنزوح وتشتت الطلاب والأساتذة، لا يُحل بالصراخ والوعيد، وإنما بالحكمة واللوائح والبحث عن مخرج عادل يحفظ حق الطالب وهيبة المؤسسة.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: كلما عظمت الأزمة، ازدادت الحاجة إلى الحكمة؛ وكلما اضطربت الجامعة، ازدادت مسؤولية الأستاذ عن ضبط لسانه.
إن جامعة الخرطوم أكبر من أي مدير، وأكبر من أي عميد، وأكبر من أي رئيس قسم، وأبقى من جميع شاغلي المناصب. ومن الخطأ الفادح أن يتعامل أحد مع موقعه الإداري كأنه امتياز شخصي يتيح له تخويف الطلاب أو إهانة الزملاء أو احتكار الحقيقة.
لقد كانت جامعة الخرطوم، عبر تاريخها، مدرسةً في العلم والاستقلال الفكري.
ولذلك فإن الدفاع عنها لا يكون بترديد شعاراتها، وإنما بحماية قيمها: العلم، والحقيقة، والاحترام، والحرية، والمسؤولية.
وإذا كانت الحرب قد دمرت مباني السودان، فلا ينبغي أن نسمح لها بأن تدمر أخلاق مؤسساته.
أما الحديث عن سيطرة الإسلاميين على التعليم العالي، فإن المأساة ليست في انتماء هذا الشخص أو ذاك، وإنما في منهج سياسي وأخلاقي جعل الولاء يتقدم على الكفاءة، والتصنيف السياسي يتقدم على الحوار، والطاعة تتقدم على السؤال، والقوة الإدارية تتقدم على الحجة العلمية.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
فالإخوان المسلمون، حين جعلوا السياسة دينًا، أفسدوا السياسة؛ وحين جعلوا الدين أداةً للسلطة، أفسدوا الدين في أعين الناس؛ وحين امتدت ثقافة الإقصاء إلى المؤسسات التعليمية، أصبح الأستاذ يُقاس أحيانًا بمدى ولائه لا بقدر علمه ونزاهته.
لكن الجامعة تستطيع أن تتعافى.
وسيأتي يوم تعود فيه جامعة الخرطوم إلى رسالتها، لا لأن أحدًا تفضل عليها بذلك، وإنما لأن المؤسسات الحقيقية أقوى من عابري المناصب.
ولذلك فإن كلمة الدكتور محمد أمين صديق تستحق التحية؛ لأنها قالت، في هدوء الأستاذ، ما ينبغي أن يُقال في وجه ثقافة الصخب والإهانة: الجامعة ليست ملكًا لأحد. والأستاذ ليس سيدًا على طلابه. والمنصب ليس رخصةً لإهانة الناس. والطب ليس مهنةً تحتمل العبث.
والعلم لا يحميه الصراخ، وإنما تحميه الأخلاق.
وما أحوج السودان اليوم إلى أساتذةٍ يعيدون للجامعة هيبتها، وللطب شرفه، وللأستاذ وقاره، وللاختلاف أدبه.
فذلك هو الطريق إلى وطنٍ يستحق أن يُقال عنه: الله ـ الحقيقة ـ الوطن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.