هل العامل التجاري ونقل البضائع ما بين غرب السودان والخرطوم له أثر على تدهور الاقتصاد؟

بقلم: د. مصطفى الجميل

إن الحروبَ إذا طالتْ أكلتِ الأخضرَ واليابس، ولن يخرجَ من حومتها منتصرٌ؛ والوطنُ هو المكسور، ولا غالبٌ والأرضُ هي المغلوبة. إن أوزار هذا الصراع قد أثقلت الكواهل، وتمزقت بها الأرحام، وسُفكت فيها الدماء المعصومة، حتى غدا الوطنُ ينزفُ من أطرافه، والناسُ بين شظفِ العيشِ ولوعةِ النزوح واللجوء….

في كل حروب السودان، منذ المهدية وحتى حرب 15 أبريل، لم يمر السودانيون بوضع كهذا: فقر وجوع، ونازحون ولاجئون ومشردون، ودماء كل يوم، ومعاناة لا تنتهي!

إلى متى يستمر هذا الوضع الكارثي، وإلى متى يدفع ثمن هذا الصراع الذي لا ينتهي؟! الشعب لم يعد يحتمل مزيدًا من الدمار والخراب! أكرر أنني لا أرى في لجنة الحوار القدرة على إنهاء الحرب! ألا يوجد سودانيون عقلاء يدركون أن السودانيين يستحقون السلام، وأن الوقت قد حان لإنهاء هذه المعاناة ووقف نزيف الحرب؟

حرب 15 أبريل أعادت إنتاج الفقر، والفقر يقود إلى ضعف الوازع الديني، وضعف التعليم، وضعف التعليم يؤدي إلى ضعف الإنتاجية، وضعف الإنتاجية يؤدي إلى مزيد من الفقر، وتدور الدائرة الشريرة، ويصبح المجتمع أكثر قابلية للعنف والتعبئة السياسية والعسكرية والتعبئة المضادة.

أغلبية مؤيدي الحرب يلقون اللوم على وزير المالية، وأنه سبب التدهور الاقتصادي والحال الصعب الذي وصلت إليه البلاد، لكن حقيقة الأمر تختلف تمامًا!

بالنظرية الاقتصادية، في الحرب يزيد الطلب عن العرض، مما يؤدي إلى ارتفاع السعر، وهي علاقة طردية، وهذا حديث المثقفين!

الحديث البلدي: توقفت المصانع وتوقفت التجارة! عندما كنت مسؤولًا حكوميًا في ولاية غرب دارفور، تدخل يوميًا للبورصة زهاء 500 شاحنة، هذا في مدينة الجنينة وحدها، وبضائع زادنا وشركة دال تجدها في تشاد والنيجر، وصدقوني وجدت مكرونة نوبو في بنين. هذا توقف!

الـ500 شاحنة، كم شاحنة مثلها تدخل الفاشر ونيالا، الأكبر في الاقتصاد، والضعين، وزالنجي، وعديلة، والفولة، وبابنوسة، وكل مدن دارفور؟ توقفت التجارة، وقلت إنتاجية مصانع الخرطوم بنسبة تفوق 75%، إن لم يكن أكثر!

الآن، كل غرب السودان يعتمد على البضائع من نيجيريا وتشاد: الخردوات، والأسمنت، والأقمشة، وقطع الغيار، والأدوات الكهربائية. في المقابل، يُصدّر الصمغ وبعض المعادن والمواد الخام لأسواق غرب أفريقيا. كم هي خسارة السودان ومصانع العاصمة جراء هذا التوقف؟

بحساب آخر، في مناطق الإنتاج يبلغ سعر كيلو اللحمة ما بين 15 و20 ألفًا، بينما يبلغ السعر في بعض مدن الجزيرة والخرطوم أكثر من 50 ألفًا!

مؤيدو استمرار الحرب يتعاملون مع الحرب وكأن قدرة السودانيين على تحملها بلا حدود، بينما الواقع يقول إن الاقتصاد ينهار، والمواطن يُستنزف، وكل يوم حرب إضافي يضيف عبئًا جديدًا على أسرة تكافح من أجل الكسرة والملاح وشاي الصباح!

السودان يحتاج قيادة توقف نزيف الحرب، وسياسات وردود أفعال تدفع البلاد أعمق في الأزمة!

الحرب ليست غاية عند العقلاء والحكماء، بل هي ضرورة ثقيلة ترهق كاهل البلاد والمواطن، فالغاية الأسمى لكل عاقل وصادق ويريد الخير لوطنه وشعبه هي تحقيق السلام العادل والحلول المستدامة للمشكلة السودانية!

أما خوف الكثيرين من دعاة الحرب من السلام، فغالبًا ما ينبع من خشية فقدان مصالح ضيقة شخصية اقتنصوها في زمن الحرب. فالسلام لا يخيف إلا من يقتات على الجراح، ولا يرفض السلام إلا من له أهداف ضيقة، وأصبح الصراع والحرب وظيفة له!

لا يوجد منتصر في هذه الحرب، ولا طرف فائز وطرف خاسر، فالخاسر الأكبر هم السودانيون المدنيون!

أوقفوا هذه الحرب اللعينة!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.