ثلاثون عاماً حكم فيها تنظيم الإخوان المسلمين السودان، وعندما سقط نظامه في أبريل 2019 لم يسقط التنظيم. أعاد التموضع داخل مفاصل الجيش والأمن والاقتصاد، ثم عاد إلى الواجهة مع حرب أبريل 2023 عبر كتائب إسناد ومليشيات رديفة، حتى أصبح شريكاً ميدانياً ومالياً في قرار الحرب والسلام.
اليوم يجد التنظيم نفسه في قلب الاستراتيجية الأمريكية المحدثة لمكافحة الإرهاب لعام 2026 التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب. الوثيقة التي وصفت الإخوان بأنهم “جذر الإرهاب الإسلامي الحديث” وتعهدت بسحق التنظيم أينما يعمل، خصّت فرعي السودان ومصر كهدفين رئيسيين، ووضعت السودان كإحدى بؤر التهديد الإرهابي المتجدد في أفريقيا، محذرة من استغلال الجماعات المرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة لحالة الفراغ الأمني لإعادة بناء خلاياها.
فما الذي يعنيه هذا التصنيف على الأرض؟ وهل يمثل فعلاً نهاية المشروع السياسي للإسلاميين في السودان؟
وبحسب القراءات فإن وراء التصنيف ثلاثة مستويات للخنق، إذ أن القرار الأمريكي ليس رمزياً، بل هو حزمة قانونية وأمنية وسياسية متكاملة.، حيث على المستوى القانوني، صُنف فرع السودان كـ “منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص SDGT” مع إخطار الكونغرس لتصنيفه كـ “منظمة إرهابية أجنبية FTO”. الأول يعني تجميداً فورياً لأي أصول يملكها التنظيم تحت الولاية الأمريكية وحظر أي تعامل مالي معه. الثاني أخطر، فهو يجرّم تقديم أي دعم مادي، سواء كان مالاً أو تدريباً أو خدمات أو حتى مشورة خبيرة، ويجعلها جريمة فيدرالية عقوبتها تصل إلى عشرين عاماً، وهو ما يطال ليس فقط القيادات في الداخل، بل شبكات التمويل الإقليمية التي تغذيه.
أما على المستوى الميداني، انتقلت الاستراتيجية من ملاحقة الأفراد إلى ملاحقة الاقتصاد الذي يمول الحرب. وهذا ما ترجمه المستشار الأمريكي للشؤون الأفريقية مسعد بولس أمام مجلس الأمن في 24 أغسطس الماضي، حين طالب فريق الخبراء بالتحقيق في “الصلات بين عائدات تهريب الذهب وشبكات شراء الأسلحة والمسيّرات”. الرسالة واضحة: الهدف لم يعد طرفي القتال فقط، بل الاقتصاد الموازي للحركة الإسلامية الذي يغذي آلة الحرب.
بينما على المستوى السياسي، فقد نزع التصنيف ورقة التوت الأخيرة عن التنظيم. فبعد سنوات قدم فيها نفسه كتيار وطني محافظ يدعم الجيش لاستعادة الدولة، وصفته الخارجية الأمريكية بأنه “يستخدم عنفاً غير مقيد ضد المدنيين لتقويض جهود حل النزاع ودفع أيديولوجيته العنيفة” وارتكب “إعدامات جماعية”، وربطته بتلقي دعم وتدريب من الحرس الثوري الإيراني. هذا الوصف يضعه رسمياً في سلة واحدة مع داعش والقاعدة، وينسف شرعية ما تسميه قوى مدنية “حوار البرهان” الذي اعتبرته غطاءً لشرعنة تحالف الجيش والإخوان.
لماذا لا يكفي القرار لإنهاء التنظيم؟
رغم قسوة العقوبات، فإن التجربة السودانية تقول إن الإخوان لا يُهزمون بقرار خارجي، بل بتفكيك داخلي. وهناك ثلاث عقبات تجعل الوداع مؤجلاً، العقبة الأولى أن التنظيم شبكة وليس حزباً، هو ليس لافتة يمكن إنزالها بقرار حل. عندما تم حل المؤتمر الوطني ظهرت الحركة الإسلامية، ثم كتائب البراء بن مالك، ثم شركات وواجهات اقتصادية جديدة. التنظيم متغلغل في البنوك والمؤسسات الأمنية وتجارة الذهب. العقوبات تطال الأسماء، لكن الشبكة تغير جلدها وتعيد إنتاج نفسها.
و ايضاً هنالك العقبة الثانية هي الالتصاق بالمؤسسة العسكرية. طالما الحرب مستمرة، سيظل الجيش بحاجة إلى مقاتلي الإسلاميين الذين قدرتهم الخارجية الأمريكية بأكثر من عشرين ألف مقاتل. هذا التحالف الميداني يمنحهم حصانة داخلية ضد أي تفكيك. بل إن التصنيف قد يرتد على الجيش نفسه إذا ثبتت صحة ما كشفته صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست عن مشروع عسكري لتطوير أسلحة كيميائية بعلم مباشر من القيادة، وهو ملف بات جزءاً من مبررات العقوبات الأمريكية.
كما أن هنالك العقبة الثالثة هي غياب البديل المدني الرادع. الاستراتيجية الأمريكية نفسها حذرت من أن الجماعات المتطرفة تستغل الفراغ الأمني. وهذا الفراغ هو ذاته الذي يملؤه الإسلاميون. دون مسار سياسي مدني حقيقي تقوده الآلية الخماسية، الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيقاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، يضمن تفكيك اقتصاد التمكين وفتح ملفات جرائم الحرب والسلاح الكيميائي أمام قضاء مستقل، سيبقى التصنيف عقوبة خارجية لا تصل إلى الجذور.
إن وضع إسلاميي السودان في قائمة الإرهاب يمثل تحولاً استراتيجياً مهماً. هو يقطع الغطاء الدولي عنهم، ويجفف جزءاً من شرايين تمويلهم، ويسد الباب أمام عودتهم عبر بوابة انتقال مدني مزيف تسيطر عليه شبكاتهم.
لكنه ليس شهادة وفاة. شهادة الوفاة الحقيقية لن تُكتب في واشنطن، بل في الخرطوم، عندما يتم الفصل الكامل بين الجيش والحركة الإسلامية، وتفكيك إمبراطوريتها الاقتصادية، ومحاسبة قياداتها أمام العدالة، لا أمام بيانات الإدانة فقط.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.