سقوط الأمانة وخراب الديار.. مأساة الإدارة في مشروع السوكي الزراعي

طارق محمد أحمد الفكي

 

 

لم يكن انهيار مشروع السوكي الزراعي في ولاية سنار مجرد كبوة عابرة فرضتها ظروف الطبيعة أو تقلبات الاقتصاد، بل كان سقوطاً مدوياً لصرحٍ عظيم قادته إدارات متعاقبة بلا ضمير، فاستبدلت الأمانة والمصلحة العامة بالمغانم الشخصية. لقد أُنشئ المشروع مطلع سبعينيات القرن الماضي (عام 1970) ليكون شريان حياة وملاذاً للتنمية والاستقرار، لكن المقاعد الوظيفية في رئاسة المشروع تحولت بمرور السنين إلى تركات للانتفاع الضيق ومسرحاً للتواطؤ المخزي مع اتحاد المزارعين، تارةً وتارةً أخرى بعد الغاء قانون الاتحاد مع تنظيمات المنتجين على حساب أرضٍ تركت لتجف وأهلٍ أُرهقوا بالوعود الكاذبة.
لقد تفرغت تلك الإدارات المتعاقبة لنسج خيوط الصفقات والمكاسب الخاصة، تاركة الكفة العامة صفراً مأساوياً. وتحت سمع وبصر المسؤولين، تركت البنية التحتية والأصول تتهاوى نحو الانهيار المرعب؛ إذ طال الموت والجفاف بساتين الفاكهة والمنتجات التي كانت تسر الناظرين، وتحول المحلج الحيوي الذي كان يضج بالحياة إلى جهات غير معلومة، وتلاشت مكاتب الري والمخازن والورش الهندسية التي كانت تخدم المشروع. ولم تقف الخسائر عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل شلل الجرارات العاملة في الحقل، وتعطل وسائل الحركة اللازمة لمتابعة الغيط والتي انتهى به الأمر في صف الدلالة، ناهيك عن الطلمبات التي تهالكت تماماً.
كما طال الخراب شبكات الري والمياه؛ فهناك مواجر وترع تحتاج عاجلاً إلى إزالة الطمي والحشائش والأشجار، ومصارف دفنت تماماً بفعل الطمي وأخرى مفتوحة تختلط بالعشوائية مع الخيران، فضلاً عن تحطم وتهدم المنظمات، وأبواب الترع، والهدارات، والقناطر التي ماتت وتكسرت،
ولم تقف مهزلة الإدارة عند حدود خراب الحقول وتدمير الأصول، بل امتدت لتعتدي على الحرمات والمساكن في أبشع صور التعدي والتشرد؛ حيث أُبيحت مساكن ومكاتب المشروع ومساكن العاملين لمن لا يستحقون. وتجسيدا لهذا الواقع حين تم نقل شخصي – الضعيف طارق محمد أحمد- إلى رئاسة المشروع بـ(ود تكتوك) لأعمل نائباً لمدير التقانة، لم تدم طمأنينتي في خدمة أهلي، إذ سرعان ما طُردت بوحشية من سكني، لأتفاجأ بأن بيتي قد سُلِمَ لشخص حملته رياح التمكين الجديد بعد حكومة حمدوك، يحكي أنه كان في قديم الزمان موظف بالحسابات ثم غادر، ليعود اليوم محمل بتعليمات فوقية تفرضها سخرية الأقدار؛ وحين استفسرت عن الأمر، جاءني الرد البارد من المدير الزراعي محملاً المسؤولية إلى المدير العام، وكأن مساكن المشروع أصبحت هبات توزع على أهل الولاء والمجاملات، بينما يُطرد المهندسون والمفتشون بقوة النفوذ والإقصاء، في إهانة صريحة لكل معايير الشرف المهني.
ورجوعا لخراب الديار حين صدر قانون تنظيمات أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني، وجدت تلك الإدارات فيه مخرجاً مريحاً للتملص من مسؤولياتها؛ فعطلت عجلة العمل الفعلي بشكل كامل، وأغرقت نفسها صاغرة في صراعات قانون مهن الإنتاج ودواماته العقيمة، ضاربةً بمصالح الحقول والعباد عرض الحائط، ومتفرغة لخدمة مصالح ضيقة فرّقت صفوف المزارعين وزادتهم تشتتاً وضياعاً نعم ذادتهم تشتتا.
وعلى صعيد المسؤولية المجتمعية، ظل سجل تلك الإدارات سواداً مستمراً طوال تاريخ المشروع منذ عام 1970؛ إذ لم يُنجز منها شيء يُذكر على أرض الواقع. ظلت الطرق الترابية المتهالكة (كمناطق شرق سنار وطريق ود تكتوك- سنار) وعرة تنقطع كلياً في الخريف لتترك الأهالي في سجن العزلة، وغابت المستشفيات والمراكز العلاجية لتواجه التجمعات السكانية الموت والمرض بلا مغيث، وعجزت عن توفير أبسط مقومات البقاء من مياه شرب نقية ومدارس صالحة.
إن ما ارتكبته إدارات السوكي المتعاقبة هو جريمة إدارية متكاملة الأركان؛ أدارت ظهرها للأمانة، وباعت الشريان الحقيقي للوطن، وتركت المزارع البسيط يصارع الموت والظلم وحيدا على أطلال وطن مسلوب، لتبقى تلك الإدارات عنواناً أبدياً للخذلان وسقوط المسؤولية.

رسالة وتوصية للمدير العام الحالي:
يا صاحب الولاية والمسؤولية على أطلال هذا الصرح العظيم؛ اعلم أن الكرسي ممرٌ لا مقر، وأن التاريخ لا يرحم من فرّط أو غفل. إن إرث الخراب الذي ورثته لم يصنعه الزمن وحده، بل صنعته أيادٍ تعاقبت على نهب وتدمير مقدرات المشروع حتى أضحى أثراً بعد عين. واليوم، وأنت تقف على سدة المسؤولية، اعلم يقيناً أن حولك ومن بطانتك من طالما شاركوا في هذا السقوط وتسببوا في هذا العفن الإداري، وهم أنفسهم الذين يحومون حول الحمى يزينون لك الباطل ويمارسون ذات الأساليب القديمة. احذرهم كل الحذر؛ فلا يغرنك حسن صنيعهم الظاهري، واعلم أن من هدم الأمس لا يمكن أن يبني الغد، والمطلوب منك اليوم هو تصليح ما هدموه بحزمٍ لا يلين. كما نلفت نظرك بوعي وحذر شديدين إلى طبيعة تعاملك مع الأطراف الفاعلة والمجموعات من حولك؛ فاحذر تماماً الوقوع في فخ التحالفات الضيقة مع تنظيمات المزارعين لاستغلال النفوذ على حساب قاعدة المزارعين، وكن حَكَماً عادلاً ووقوفاً على مسافة واحدة من الجميع، لعل الله يجري على يديك ما يستدرك ما تبقى من هذا الصرح العريق.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.