«الكاهن في محراب الكهنة.. وإعلام إشعارات بنكك في حضرة الجنرال»

بقلم: فاطمة علي سعيد

بعد تعثّر الحاضنة السياسية.. البرهان يبحث عن الحوار في غرفة الإعلام

بالأمس، شاهدنا البرهان يجلس أمام مجموعة من الإعلاميين المحسوبين على التيار الإسلامي، إعلامٌ ارتبط في الذاكرة السودانية، خلال سنوات طويلة، بخطاب التبرير والتطبيل وتزييف الحقائق أكثر مما ارتبط بممارسة الصحافة بوصفها سلطة رقابة ومساءلة.

لم نكن لنستغرب المشهد، فالوجوه ذاتها التي جرى تجهيزها وتمكينها والانقلاب على السلطة المدنية في 25 أكتوبر 2021، والمشهد الإعلامي للحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، بالأقلام ذاتها والخطاب ذاته، وإن اختلفت العناوين.

إنها ليست مصادفة عابرة، بل امتداد لمسار إعلامي ظل يتعامل مع السياسة باعتبارها معركة نفوذ، ومع الصحافة باعتبارها أداة لتعبئة الجمهور وتبرير مواقف السلطة.

بالأمس كان الدور تهيئة الرأي العام للانقلاب على المسار المدني، واليوم يتكرر المشهد في زمن الحرب: تعبئة، تخوين، تضليل، وتقديم رواية أحادية باعتبارها الحقيقة الوحيدة.

وحين تجتمع الوجوه ذاتها أمام قائد الجيش في هذا التوقيت، بينما تتحدث السلطة عن الحوار والحل السياسي، يصبح من المشروع أن نسأل:

هل تغيّر الخطاب فعلاً، أم تغيّرت فقط واجهة المشهد؟

فالصحافة التي شاركت في تهيئة المناخ للانقلاب لا يمكن أن تطلب من السودانيين اليوم أن يتعاملوا معها بوصفها شاهداً محايداً على الحرب، ما لم تراجع تجربتها وتعيد الاعتبار للمعايير المهنية التي تضع الصحفي في موقع المساءلة لا التبرير.

المشكلة ليست في أن يجلس الإعلامي أمام البرهان؛ المشكلة في أن يجلس الصحفي أمام السلطة دون أن يحمل معه أسئلة الشعب، وذاكرة السنوات الماضية، وحقائق الحرب، وأصوات الضحايا.

فالسودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير الوجوه والخطابات التي قادته من أزمة سياسية إلى انقلاب، ومن انقلاب إلى حرب.

لذا لم يكن المشهد مجرد لقاء إعلامي، خصوصاً في ظل حرب مستمرة ومشهد سياسي شديد التعقيد. فالوجوه التي تجلس أمام رأس السلطة، والأسئلة التي تُطرح، والمساحات التي تُفتح للنقاش، كلها تحمل دلالات سياسية تتجاوز حدود اللقاء نفسه.

في الديمقراطيات، الصحفي يجلس أمام الحاكم ليحاسبه ويسأله ويضعه أمام الحقائق غير المريحة. أما حين يتحول الإعلام إلى غرفة صدى، يصبح الميكروفون جزءاً من المعركة، وتتحول الصحافة من عينٍ على السلطة إلى ستارٍ يحجب عنها الأسئلة الصعبة.

وهنا تحديداً تكمن خطورة المشهد: أن تتحول الحرب من معركة على الأرض إلى معركة على الوعي، وأن يصبح الإعلام أداة لتلميع مواقف السلطة بدلاً من مساءلتها.

السودان لا يحتاج إلى صحافة تصفق للجنرال، ولا إلى إعلام يبرر للحرب، ولا إلى منصات تعيد تدوير خطاب الإسلاميين تحت عناوين جديدة.

السودان يحتاج إلى صحافة حرة تسأل الجميع، وتكشف للجميع، وتحاسب الجميع.

فالجنرال الذي يجلس أمام إعلام التطبيل لا يسمع الحقيقة كاملة، والإعلام الذي يخشى سؤال السلطة يفقد جوهر مهنته.

يبدو أن الحرب لم تكتفِ بإعادة رسم خرائط الدم والدمار، بل بدأت أيضاً بإعادة ترتيب المقاعد القديمة حول الطاولة.

ففي السودان الذي يبحث أهله عن رغيف خبز، ودواء، ومدرسة، وبيت آمن، يجلس البرهان أمام إعلاميين من مدرسة سياسية يعرف السودانيون تاريخها جيداً.

لقاء البرهان مع عدد من إعلاميي نفايات الإسلاميين في توقيت بالغ الحساسية، تتقاطع فيه التطورات العسكرية مع تعقيدات المشهد السياسي، في وقت تبدو فيه محاولات تشكيل حاضنة سياسية واسعة أكثر تعقيداً، بينما تستمر الحرب ويُطرح في الوقت نفسه خطاب يدعو إلى الحوار.

وهنا تبرز أهمية قراءة اللقاء خارج إطار المناسبة الإعلامية المباشرة؛ فظهور رأس السلطة أمام مجموعة من الإعلاميين لا يتعلق فقط بما قيل في اللقاء، وإنما أيضاً بالرسالة السياسية التي يحملها اختيار المنصة والوجوه والتوقيت.

فبعد تعثر محاولات استقطاب قوى سياسية ومدنية إلى مشروع سياسي واسع، يبدو الإعلام مساحة مهمة لإدارة المعركة على مستوى الرأي العام، وإعادة تقديم الرواية الرسمية للحرب، وتهيئة المناخ لأي مسار سياسي قادم.

لكن السؤال الجوهري يظل قائماً:

إذا كان الحوار هو الطريق إلى الحل، فلماذا تستمر الحرب؟ وأي حوار يمكن أن يبدأ بينما لا تزال البنادق تتحدث؟

من الحاضنة السياسية إلى الحاضنة الإعلامية

في الصراعات الممتدة، لا تخاض المعارك بالسلاح وحده، فالرواية السياسية والإعلامية تصبح جزءاً من الصراع على الشرعية. ولهذا فإن اللجوء إلى الإعلام، في ظل تعثر التوافق السياسي، يمكن أن يُقرأ باعتباره محاولة لتعويض جانب من الفراغ الذي خلّفته صعوبة بناء تحالف سياسي عريض.

لكن الإعلام لا يستطيع أن يكون بديلاً عن السياسة.

ولا يمكن أن تتحول المنابر الإعلامية إلى وسيلة لصناعة توافق غير موجود على الأرض.

فالشرعية السياسية لا تُنتجها المقابلات الصحفية، ولا تُبنى عبر المنابر المؤيدة، وإنما عبر توافق سياسي حقيقي، ومسار مدني شامل، وإرادة واضحة لإنهاء الحرب.

ومن هنا فإن المشكلة لا تكمن في لقاء البرهان بالإعلاميين، فحق السلطة أن تتحدث، وحق الصحافة أن تسأل، وإنما في احتمال تحول الإعلام من مساحة للمساءلة إلى أداة لإعادة إنتاج خطاب المعسكر السياسي نفسه.

هل الحوار لإنهاء الحرب أم لإدارة الحرب؟

السودان لا يعاني أزمة خطاب فقط، بل يواجه حرباً مفتوحة خلّفت كارثة إنسانية وانهياراً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً واسعاً.

لذلك فإن الحديث عن الحوار لا ينبغي أن يُقاس بمدى تكرار الكلمة، وإنما بما يصاحبه من خطوات عملية.

هل الحوار المقترح هدفه إنهاء الحرب، أم إدارة الحرب سياسياً؟

الحوار الذي يقود إلى السلام يبدأ بإرادة سياسية واضحة لوقف القتال، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، وفتح الطريق أمام عملية سياسية لا تحتكرها البنادق ولا تفرضها موازين القوة العسكرية.

أما الحوار الذي يبدأ بينما تستمر الحرب دون تغيير جوهري في قواعدها، فقد يتحول إلى مجرد محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي، ومنح الحرب غطاءً تفاوضياً جديداً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.