في ذكرى 11 سبتمبر.. السودان بين إرث بن لادن وبقاء نفوذ الإخوان .. الحاضنة التي لم تُغلق

تقرير ـ عين الحقيقة

في 11 سبتمبر 2001، عندما ضربت أبشع عملية إرهابية في التاريخ الحديث الولايات المتحدة، كان الطريق إلى برجي نيويورك قد مرّ قبل عشر سنوات من الخرطوم.

السودان لم يكن مجرد محطة في سيرة أسامة بن لادن، بل كان الدولة الحاضنة الأولى التي منحت تنظيم القاعدة شرعيته وبنيته التحتية واقتصاده.

 

من ضيف الترابي إلى صانع القاعدة

 

في عام 1991، وبعد أن سحب جواز سفره في السعودية، استقبل زعيم الجبهة الإسلامية القومية حسن الترابي، الأب الروحي للإخوان المسلمين في السودان، بن لادن في الخرطوم. لم يكن لجوءاً عابراً.

 

خلال خمس سنوات (1991-1996) بنى بن لادن إمبراطورية موازية ، اسس شركة الهجرة للإنشاء والتعمير التي شقت طريق التحدي بين الخرطوم وبورتسودان وبنت مطاراً دولياً.، و شركات وادي العقيق وطابة للاستثمار التي احتكرت تصدير الصمغ العربي والذرة والسمسم.

و بنك الشمال الإسلامي الذي ضخ فيه 50 مليون دولار كواجهة مالية للحركة بالإضافة إلى 23 معسكر تدريب أنشأها في الصحراء استقبلت 300 إلى 480 جهادياً من قدامى الحرب الأفغانية، كانوا نواة القاعدة.

من الخرطوم، خطط بن لادن لأول عملياته بتفجير فندقين في عدن 1992 استهدفا جنوداً أمريكيين، والهجوم على القوات الأمريكية في مقديشو 1993، ومحاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا 1995، وتفجير مركز تدريب الحرس الوطني في الرياض.

 

وعندما وضعت واشنطن السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب في 1993، وضغطت مع الرياض لطرده، غادر بن لادن إلى أفغانستان في مايو 1996، لكنه ترك وراءه شيئاً أخطر من معسكراته: نموذج الدولة-الملاذ.

 

نفس الشبكة.. بوجوه جديد

ما فعله الترابي مع بن لادن هو نفسه ما يفعله إسلاميو السودان اليوم.

في التسعينيات، استخدمت الحركة الإسلامية بن لادن لتمويل بنيتها التحتية ومشاريعها. اليوم، تستخدم نفس الشبكة – تهريب الذهب، بنوك الظل، شركات الاستيراد – لتمويل الحرب منذ أبريل 2023.

 

الوثائق الأمريكية التي استندت إليها الخارجية في تصنيف الإخوان السودانيين كمنظمة إرهابية عالمية في مارس 2026، وكشف الشرق الأوسط في 30 يونيو 2026، تتطابق مع سردية التسعينيات: “مقاتلون يتلقون تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الإيراني نفذوا إعدامات جماعية”. في التسعينيات كان الدعم من القاعدة، اليوم من الحرس الثوري، لكن الحاضنة واحدة.

 

حتى لواء البراء بن مالك، الذي صنفته واشنطن في سبتمبر 2025، هو امتداد لنفس الفكرة: مليشيا أيديولوجية رديفة للجيش، تماماً كما كانت قوات الدفاع الشعبي في عهد البشير، وكما كانت معسكرات بن لادن في عهد الترابي.

 

لماذا لم يغلق الملف؟

 

بعد 11 سبتمبر قالت أمريكا إنها ستجفف منابع الإرهاب. قصفت مصنع الشفاء في الخرطوم عام 1998 ظناً منها أنه يصنع أسلحة كيميائية لبن لادن، لكنها لم تجفف الحاضنة السياسية.

 

الحركة الإسلامية السودانية هي من القلائل في العالم التي حولت فكر الإخوان من تنظيم دعوي إلى مشروع دولة أمنية. وعندما سقط البشير في 2019، لم تسقط الشبكة. انتقلت من القصر إلى الظل، ومن الوزارات إلى كتائب الإسناد.

 

تحذير كبير مستشاري الرئيس الأمريكي مسعد بولس في مجلس الأمن في 24 أغسطس: “لن نتسامح مع محاولات شبكات الإسلاميين التلاعب بهذا الصراع”، وتحذير الخارجية الأمريكية للإخوان من التعاون مع الحرس الثوري، يعيدان التاريخ إلى نقطة البداية: الخرطوم مرة أخرى كساحة تلاقٍ بين الإخوان والجهاد العالمي، ولكن هذه المرة ليس عبر رجل اسمه بن لادن، بل عبر برنامج أسلحة كيميائية، وشبكات مسيرات، وذهب يمول حرباً أهلية.

 

في ذكرى 11 سبتمبر، الدرس الذي لم يتعلمه العالم هو أن الإرهاب لا يبدأ في كهوف تورا بورا، بل يبدأ في عاصمة تفتح له البنوك والطرق والمعسكرات باسم “المشروع الحضاري”. والسودان دفع ويدفع ثمن كونه تلك العاصمة مرتين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.