الجوع يلتهم السودانيين.. ملايين مهددون والمساعدات تقترب من التوقف

تقرير ـ عين الحقيقة

يواجه السودان واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، مع اتساع رقعة الجوع والنزوح، وتراجع القدرة على إيصال المساعدات إلى ملايين المتضررين، في وقت يهدد فيه نقص التمويل بعرقلة العمليات الإنسانية خلال أسابيع.

وحذّر القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو، من أن السودان يواجه «أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم»، مشيراً إلى أن نحو 20 مليون شخص يعانون الجوع الحاد، فيما بلغ عدد النازحين نحو 14 مليوناً، نتيجة استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية.

وجاء تحذير سكاو عقب زيارة استمرت ثمانية أيام شملت الخرطوم وولايات دارفور وكردفان، وقف خلالها على أوضاع السكان والنازحين، والتحديات التي تواجه عمليات الإغاثة في مناطق متباعدة ومتضررة من القتال.

وقال المسؤول الأممي، خلال مؤتمر صحفي عبر الفيديو من مسقط، إن الأزمة السودانية لم تعد مرتبطة بالحرب وحدها، بل باتت نتيجة تداخل عدة عوامل، بينها الجوع والنزوح والجفاف وتدهور سبل كسب العيش، إلى جانب الانخفاض الحاد في التمويل المخصص للاستجابة الإنسانية.

الجوع يتسع

وأوضح سكاو أن نحو خمسة ملايين شخص في السودان يواجهون مستويات الجوع الطارئ المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، بينما يواجه نحو 200 ألف شخص مستويات المرحلة الخامسة، وهي مرحلة المجاعة.

وتعكس هذه الأرقام اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على توفير الغذاء، خصوصاً في المناطق التي أدت فيها المعارك إلى تعطيل الأسواق والإنتاج الزراعي وحركة التجارة، فضلاً عن دفع أعداد كبيرة من السكان إلى الفرار من مناطقهم.

وخلال جولته، التقى سكاو نازحين فرّ بعضهم من مناطقهم قبل سنوات، فيما وصل آخرون إلى المخيمات قبل أيام فقط، بعد رحلات شاقة قطع خلالها بعضهم مسافات طويلة سيراً على الأقدام.

وقال: «التقيت نساء يكافحن لإعادة بناء حياتهن، والناس يتساءلون: كيف سنبقى على قيد الحياة؟».

الفاشر.. آثار حرب وحصار

في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، قال سكاو إن آثار الحرب تبدو واضحة في المدينة التي ظلت لنحو 18 شهراً تحت الحصار، وسط تدهور حاد في الأوضاع الإنسانية.

وأشار إلى أن المدينة، التي كان يقترب عدد سكانها من مليون نسمة، لم يعد يقيم فيها سوى عشرات الآلاف، فيما تحولت أحياء واسعة منها إلى مشهد من الدمار.

ووصف المسؤول الأممي ما شاهده، قائلاً إن المنازل بدت مثقوبة بالرصاص، والسيارات المحترقة تنتشر في الشوارع، بينما اختفى النشاط الاقتصادي تقريباً.

كما زار مخيم زمزم للنازحين بالقرب من الفاشر، وقال إنه وجده أشبه بـ«مدينة أشباح كاملة» بعد تعرضه للدمار.

وفي بلدة طويلة، التي أصبحت إحدى أبرز وجهات الفارين من الفاشر، أشار إلى وصول نحو 250 ألف نازح جديد، لينضموا إلى قرابة 700 ألف شخص كانوا موجودين فيها في أبريل الماضي.

ورغم تحسن ظروف الإيواء نسبياً، فإن المساعدات الغذائية لا تزال محدودة؛ إذ يقدم برنامج الأغذية العالمي نصف الحصة الغذائية، وهي كمية تكفي لنحو أسبوعين فقط.

الجفاف يهدد ما تبقى من سبل العيش

ولم تعد الحرب وحدها مصدر الخطر. فقد حذّر سكاو من أن الجفاف يضيف طبقة جديدة إلى الأزمة، خصوصاً في دارفور، مشيراً إلى أن المنطقة تواجه ظروفاً لم تشهدها منذ عام 1984، رغم حلول موسم الأمطار.

ويهدد تراجع الأمطار الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية، وهما من أهم مصادر الغذاء والدخل بالنسبة إلى السكان، ما قد يؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي في وقت تتراجع فيه المساعدات الإنسانية.

ونقل سكاو عن أحد المزارعين قوله: «نحن نعتمد على الزراعة وعلى غذاء برنامج الأغذية العالمي. إذا تأثرت الزراعة الآن بالجفاف، وتأثر غذاء البرنامج بخفض التمويل، فكيف سنبقى على قيد الحياة؟».

الأبيض أمام موجة نزوح جديدة

وفي الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، قال سكاو إن عدد السكان تضاعف نتيجة تدفق النازحين، بينما تجاوزت المخيمات الثمانية في المدينة قدرتها الاستيعابية.

وأوضح أن نقص التمويل أجبر برنامج الأغذية العالمي على اتخاذ ما وصفها بـ«خيارات مؤلمة»، بينها خفض المساعدات عن بعض النازحين الذين وصلوا في فترات سابقة، لإعطاء الأولوية للنازحين الجدد والأشد احتياجاً.

ورغم القيود الأمنية واللوجستية، أكد أن البرنامج لا يزال يصل إلى ما بين أربعة وخمسة ملايين شخص شهرياً، بينهم نحو 2.5 مليون شخص في مناطق يصعب الوصول إليها.

وتضاعفت كلفة وصعوبة إيصال المساعدات مع تدهور الطرق وانعدام الأمن؛ فالرحلة بين الأبيض والفاشر، التي كانت تستغرق نحو ست ساعات، أصبحت تستغرق قرابة ثلاثة أيام، وتشمل رحلة جوية عبر تشاد ثم نحو 30 ساعة من السفر البري.

التمويل.. الحلقة الأضعف

وبحسب سكاو، فإن التمويل يمثل التحدي الأكبر أمام استمرار الاستجابة الإنسانية، في وقت يواجه فيه برنامج الأغذية العالمي نقصاً حاداً في الموارد، ما قد يدفعه إلى تقليص عملياته بصورة كبيرة خلال الأسابيع المقبلة.

ولا يعني ذلك تراجع حجم الاحتياجات، بل العكس؛ فكلما اتسعت رقعة النزوح وتدهورت القدرة على الإنتاج والوصول إلى الغذاء، ارتفع الطلب على المساعدات، بينما تتقلص الموارد المتاحة للاستجابة.

ودعا المسؤول الأممي إلى تحرك سياسي جاد لإنهاء الحرب، بالتزامن مع اقتراب اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مطالباً المجتمع الدولي والمانحين بزيادة الدعم للاستجابة الإنسانية.

وقال سكاو: «لا يمكننا الاستمرار في خذلان هؤلاء الناس»، في تحذير يلخص الفجوة المتزايدة بين حجم الأزمة في السودان وقدرة العالم على الاستجابة لها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.