من «شعبوية العرديب» إلى حسابات الإسلاميين.. «البرهان» يراوغ الحوار ويتمسك بالسلطة

تقرير ـ عين الحقيقة

 

بدأ المسار بمحاولة إعادة تسويق صورة البرهان كـ “رجل الشعب” البسيط منذ ظهوره في منطقة الكلاكلة بالخرطوم وهو يتناول “كباية العرديب” مع المواطنين، وتجوله بلا بروتوكول

لم تعد تحركات قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مجرد جولات تفقدية مرتبطة بالحرب، بل باتت تقرأ في الأوساط السياسية كخارطة طريق مدروسة لتثبيت أركان حكمه وتجاوز مرحلة “القائد العام” إلى “الحاكم الدائم”.

شعبوية الحرب: من الكلاكلة إلى الإعلاميين

بدأ المسار بمحاولة إعادة تسويق صورة البرهان كـ “رجل الشعب” البسيط منذ ظهوره في منطقة الكلاكلة بالخرطوم وهو يتناول “كباية العرديب” مع المواطنين، وتجوله بلا بروتوكول، لم يكن مشهداً عفوياً بقدر ما كان رسالة سياسية: أنا بين الناس، وأنا البديل المدني والعسكري معاً.
هذا الخطاب الشعبوي تطور لاحقاً إلى خطاب سياسي مباشر. ففي لقاءاته الأخيرة مع إعلاميين وصحفيين موالين، لم يتحدث البرهان عن وقف الحرب كأولوية، بل عن “مرحلة ما بعد الحرب” ودور الجيش في الحكم، في محاولة لقطع الطريق أمام أي عملية سياسية قد تستبعده.

ويتهم مراقبون البرهان بممارسة “مراوغة الحوار”، حيث يعلن استعداده للحوار والحل السياسي في الخارج، بينما يضع شروطاً تعجيزية في الداخل تجعل أي تفاوض مستحيلاً، لكسب الوقت حتى تتحقق مكاسب عسكرية تخدم طموحه السياسي.

الهندسة السياسية: مقترحات ياسر العطا

ما كان يدار في الغرف المغلقة، كشفه علناً مساعد القائد العام، الفريق ياسر العطا. حديث العطا المتكرر عن مقترحات لـ “تنصيب البرهان” رئيساً، وتأكيده أن الجيش لن يسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة تحت إشرافه، فسره محللون بأنه بالون اختبار لتمديد حكم البرهان لسنوات قادمة تحت ذريعة الشرعية الانتخابية التي يصنعها هو.

هذه التصريحات لم تعد فردية، بل أصبحت خطاباً رسمياً لمجموعة داخل قيادة الجيش ترى أن الحرب فرصة تاريخية للتخلص من عبء الشراكة مع المدنيين نهائياً.

الشرعية الغيبية والإخوانية

في أحد لقاءاته السابقة، ألمح البرهان إلى رواية شخصية بأن “والده حلم أنه سيحكم السودان”. هذه الرواية التي تبدو عاطفية، وظفها أنصاره لتقديم حكمه كـ “قدر محتوم” وليس كطموح سياسي.
والأخطر في هذا المخطط، بحسب متابعين، هو التحالف الضمني مع تنظيم الإخوان المسلمين (المؤتمر الوطني المحلول). فالتنظيم الذي يملك الخبرة في مفاصل الدولة والخدمة المدنية والإعلام، وجد في البرهان حصانه للعودة، ووجد البرهان في التنظيم حزبه السياسي الذي يفتقده الجيش.

الدعم الإخواني يظهر في الحملات الإعلامية المنظمة التي تلمع البرهان، وفي تعبئة كتائب الإسناد، وفي الهجوم الممنهج على أي مبادرة مدنية تطرح مجلساً رئاسياً مدنياً أو تطالب بخروج الجيش من السياسة.
ما بين كباية العرديب في الكلاكلة، وحديث الأحلام، ومقترحات التنصيب، تتضح استراتيجية واحدة، استخدام الحرب كغطاء لتأبيد الحكم، البرهان اصبح لا يدير معركة عسكرية فقط، بل يدير معركة بقاء سياسي، يريد أن يخرج منها ليس كمنتصر في الحرب، بل كحاكم مطلق للسودان لما بعد الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.