الجنيه ينهار تحت ضغط الحرب.. البرهان والعطا أمام كلفة الخيار العسكري

تقرير ـ عين الحقيقة

دخل الجنيه السوداني مرحلة جديدة من التراجع الحاد أمام العملات الأجنبية، مع وصول سعر الدولار في السوق الموازية إلى مستويات قياسية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد السوداني بفعل استمرار الحرب وتراجع الإنتاج وشح النقد الأجنبي واضطراب القطاع المصرفي.

وقال متعاملون في سوق العملات إن سعر الدولار تجاوز حاجز 8 آلاف جنيه، وسط توقعات باستمرار الارتفاع مع اتساع الطلب على العملات الأجنبية مقابل محدودية المعروض. ويأتي ذلك بعد أشهر قليلة كان فيها الدولار يدور حول مستويات تقترب من 3 آلاف جنيه، ما يعكس سرعة التدهور في قيمة العملة الوطنية.

ولا تبدو أزمة الجنيه منفصلة عن المشهد الاقتصادي والسياسي العام؛ فالحرب المستمرة منذ أبريل 2023 ألحقت أضراراً واسعة بالإنتاج والتجارة والبنية المصرفية، فيما تحولت موارد الدولة بصورة متزايدة نحو تمويل العمليات العسكرية، على حساب القطاعات الإنتاجية والخدمات الأساسية.

الجنيه يفقد الثقة

الأخطر في المشهد الحالي ليس ارتفاع سعر الدولار وحده، وإنما ظهور مؤشرات على تراجع الثقة في الجنيه داخل الأسواق.

وقال تاجر جملة في الخرطوم فضل حجب اسمه لـ»عين الحقيقة»: « إن الجنيه السوداني أصبح عملة غير مبرئة للذمة؟»، مشيراً إلى أن عدداً من التجار باتوا يرفضون التعامل بالجنيه، ويفضلون الدولار أو الامتناع عن البيع، خشية الخسائر الناجمة عن التغير السريع في سعر الصرف.

ويكشف هذا السلوك عن انتقال أزمة العملة من سوق الصرف إلى النشاط التجاري اليومي. فالتاجر الذي يبيع سلعة اليوم بالجنيه قد يجد نفسه مضطراً إلى دفع مبلغ أكبر لإعادة شراء السلعة نفسها في اليوم التالي، ما يدفعه إلى رفع الأسعار أو طلب العملات الأجنبية أو تعليق عمليات البيع.

ومع استمرار هذا السلوك، يتحول الجنيه تدريجياً من وسيلة للتبادل إلى عملة يفقد المتعاملون الثقة في قدرتها على الاحتفاظ بالقيمة

«بنكك» يكشف هشاشة النظام المالي

وتزامن انهيار الجنيه مع استمرار الاضطرابات في تطبيق «بنكك» والخدمات المصرفية الإلكترونية، وهي خدمات أصبحت خلال سنوات الحرب جزءاً أساسياً من حركة الأموال والتحويلات داخل السودان.

وأدى تعطل الخدمات إلى إرباك عمليات التحويل والبيع والشراء، ودفع بعض المتعاملين إلى العودة للنقد الورقي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد أصلاً من أزمة سيولة وتراجع في النشاط المصرفي.

وتزداد خطورة هذه التطورات في ظل الأضرار التي لحقت بالبنوك وفروعها نتيجة الحرب، وانتقال جزء كبير من النشاط الاقتصادي إلى خارج النظام المصرفي الرسمي.

وبذلك أصبح المواطن يواجه أزمتين متزامنتين: عملة تفقد قيمتها بسرعة، ونظام مالي يواجه صعوبة في تنفيذ المعاملات اليومية.

البرهان والعطا.. استمرار الحرب أولاً

في قلب الأزمة الاقتصادية يقف خيار قيادة الجيش السوداني باستمرار الحرب حتى تحقيق أهدافها العسكرية.

ويتمسك الفريق أول عبدالفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة، بخيار الحسم العسكري، مؤكداً في أكثر من مناسبة استمرار القتال إلى حين إنهاء ما تصفه القيادة العسكرية بـ«التمرد».

كما يعكس خطاب رئيس الأركان الفريق أول ياسر العطا الاتجاه ذاته، إذ أعلن أن تحركات القوات المسلحة في المرحلة المقبلة ستتواصل «دون توقف»، متحدثاً عن التقدم العسكري نحو مناطق جديدة، بينها دارفور.

وهنا تبرز المفارقة التي باتت أكثر وضوحاً: قيادة الجيش تتحدث عن ضرورة الحفاظ على الدولة ومنع انهيارها، بينما تستمر حرب تستنزف موارد الدولة وتضعف إنتاجها وتضغط على عملتها.

ولا يعني ذلك تحميل الجيش وحده مسؤولية الأزمة الاقتصادية؛ فالحرب تخوضها أطراف متعددة، كما تتداخل معها عوامل أخرى، بينها التدخلات الخارجية، والتهريب، والمضاربة، والانقسام الاقتصادي، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وخروج الاستثمارات.

لكن استمرار الحرب يمثل عاملاً أساسياً في استمرار هذه الاختلالات، ويحد من قدرة الدولة على تنفيذ أي سياسة اقتصادية مستقرة وطويلة الأجل.

اقتصاد يمول الحرب ويخسر الإنتاج

المشكلة الأساسية أن السودان يخوض حرباً طويلة داخل اقتصاد فقد جزءاً كبيراً من قدرته على الإنتاج.

فالقطاعات الصناعية والتجارية والزراعية تعرضت لضربات متتالية، كما تضررت البنية التحتية وطرق النقل والأسواق، بينما تراجعت قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات.

وفي المقابل، تحتاج العمليات العسكرية إلى إنفاق متواصل على التسليح واللوجستيات والمرتبات والإمداد، ما يزيد الضغط على الموارد المحدودة.

وهذه المعادلة تضع الاقتصاد أمام حلقة مفرغة: الحرب تستنزف الموارد، وتراجع الموارد يضغط على الجنيه، وانخفاض قيمة الجنيه يرفع تكلفة السلع، وارتفاع الأسعار يضعف القوة الشرائية، وتراجع الطلب والإنتاج يؤدي بدوره إلى مزيد من الضعف الاقتصادي.

تغيير الحكومة لا يكفي

ومع تصاعد الغضب الشعبي من تدهور الأوضاع المعيشية، برزت دعوات إلى تغيير رئيس الوزراء كامل إدريس أو وزير المالية جبريل إبراهيم، باعتبار أن الأداء الاقتصادي يحتاج إلى مراجعة.

لكن منتقدين لهذا الطرح يرون أن المشكلة أعمق من أداء شخص أو وزارة، وأن تغيير المسؤولين لن يعالج جذور الأزمة ما لم يتغير السياق الذي يعمل فيه الاقتصاد.

وقال القيادي في حزب الأمة محمد الأمين عبد النبي إن ارتفاع الدولار وتزايد الأسعار وتفاقم الجوع ترتبط باستمرار الحرب، معتبراً أن تغيير رئيس الوزراء أو حكومته يمثل «معالجة للعرض لا للمرض».

وبالمثل، قال الناشط السياسي محمد حسن بوشي إن الأزمة الاقتصادية ناتجة بصورة أساسية عن استمرار الحرب والإنفاق عليها من موارد اقتصادية محدودة، معتبراً أن تحميل المسؤولية كاملة لرئيس الوزراء أو وزير المالية يتجاهل طبيعة الأزمة الأوسع.

من يدفع الثمن؟

في النهاية، لا يدفع قادة الحرب وحدهم ثمن انهيار الجنيه. المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

فالراتب الذي كان يكفي أسرة لشهر أصبح يفقد جزءاً من قيمته خلال أيام، وأسعار الغذاء والدواء والوقود تتأثر مباشرة بسعر الدولار، بينما يجد التجار أنفسهم أمام خيار رفع الأسعار أو تحمل خسائر متواصلة.

ومع استمرار الحرب، تتقلص فرص جذب الاستثمارات وإعادة تشغيل المصانع واستعادة الصادرات وبناء احتياطيات نقد أجنبي قادرة على دعم الجنيه.

ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: كم بلغ سعر الدولار؟

السؤال الأكبر هو: إلى أي مدى يستطيع الاقتصاد السوداني تحمل استمرار الحرب قبل أن يتحول انهيار العملة إلى أزمة أعمق تطال قدرة الدولة نفسها على دفع الرواتب، وتمويل الخدمات، واستيراد الغذاء والدواء والوقود؟

وبينما يواصل البرهان والعطا التأكيد على استمرار الخيار العسكري، يواصل الجنيه دفع كلفة الحرب في السوق كل يوم.

فالحرب لا تُقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال، وإنما أيضاً بما يحدث للعملة والأسواق وموائد السودانيين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.