يتزامن تفاقم الضغوط الاقتصادية في البلاد مع استمرار التراجع الحاد في قيمة الجنيه وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وسط اضطراب متزايد في الأسواق، وتجدد النقاشات داخل معسكر بورتسودان بشأن سبل معالجة الأزمة، ومسؤولية الحكومة، ومستقبل نفوذ الحركات المسلحة والقوى السياسية المشاركة في السلطة. وفي هذا السياق، قال رئيس تحرير صحيفة «مصادر»، عبد الماجد عبد الحميد، في تعليق على صفحته بـ«فيسبوك»، إن الاجتماع الطارئ الذي عقده رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مع رئيس الوزراء د. كامل إدريس، جاء في وقت تشهد فيه الأسواق حالة من الاضطراب الواسع.
حمّل نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، خالد عمر يوسف، الحرب مسؤولية أساسية عن التدهور المعيشي والاقتصادي الذي يواجهه السودانيون.
وأشار عبد الحميد إلى أن عدداً من المحال التجارية ومراكز البيع في أسواق الحاج يوسف وحلة كوكو وشرق النيل أغلقت أبوابها، فيما توقف أصحابها عن عمليات البيع والشراء، تحت تأثير الهبوط المتواصل في قيمة الجنيه السوداني، معتبراً أن العملة المحلية باتت، بصورة مؤقتة، خارج نطاق التأثير الطبيعي لمحركات الاقتصاد والتجارة.
ولم تتضح، وفق ما أورده عبد الحميد، تفاصيل ما دار خلال الاجتماع بشأن المعالجات العاجلة للأزمة الاقتصادية، في وقت دعا فيه إلى البحث عن أفكار جديدة للتعامل مع الوضع الراهن، بعيداً عن الحلول التقليدية. واقترح رئيس تحرير «مصادر» أن يستعين رئيس مجلس السيادة بمجموعة من الشباب الناشطين والناجحين في مجالات المال والأعمال، إلى جانب عدد من أصحاب الخبرة في القطاع التجاري، بهدف التداول حول خيارات اقتصادية «خارج الصندوق» لمواجهة الأزمة. واستند عبد الحميد في طرحه إلى أمثلة تاريخية مرتبطة بتقديم المشورة في المنعطفات الصعبة، مشيراً إلى قصتي الحباب بن المنذر وسلمان الفارسي، باعتبارهما نموذجين لأفكار قد تخرج من خارج دوائر القيادة التقليدية وتساعد في التعامل مع الأزمات.
الحرب والأزمة الاقتصادية
في المقابل، حمّل نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، خالد عمر يوسف، الحرب مسؤولية أساسية عن التدهور المعيشي والاقتصادي الذي يواجهه السودانيون. وقال يوسف، في منشور على منصة «إكس»، إن استمرار الحرب أدى إلى سلسلة متداخلة من الأزمات، تبدأ بالموت نتيجة القصف والمسيرات، وتمتد إلى الجوع والفقر والمرض، فضلاً عن معاناة السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة البلاد.
واستشهد يوسف بأرقام تتعلق بالأزمة الإنسانية، قائلاً إن برنامج الأغذية العالمي أعلن اقترابه من العجز عن مواجهة ما وصفه بأكبر كارثة جوع في العالم، مع وجود أكثر من 20 مليون سوداني يواجهون صعوبات في الحصول على الغذاء.
كما أشار إلى التراجع السريع في قيمة الجنيه، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتدهور القطاعات الخدمية، معتبراً أن استمرار الحرب أدى إلى إضعاف البنية الإنتاجية، واستنزاف الموارد في تمويل القتال بدلاً من توجيهها إلى الغذاء والدواء والخدمات. وربط يوسف معالجة الأزمة الاقتصادية بوقف الحرب، قائلاً إن استعادة الإنتاج وتوفير الموارد اللازمة للخدمات، وتهيئة الظروف للاستثمار وإعادة الإعمار، تتطلب إنهاء القتال.
خلافات حول الاقتصاد والنفوذ
وفي سياق متصل، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، جبريل إبراهيم، وسط خلافات سياسية واقتصادية داخل معسكر بورتسودان بشأن أداء الحكومة، ودور الحركات المسلحة المشاركة في السلطة. وبحسب مصادر مطلعة، فإن شركات مرتبطة بالتيار الإسلامي تنخرط في عمليات مضاربة على العملات الأجنبية، بالتزامن مع التراجع المتواصل في قيمة الجنيه وارتفاع الدولار وأسعار السلع والخدمات.
وتقول المصادر إن هذا النشاط يتزامن مع تزايد حملة سياسية وإعلامية تستهدف وزير المالية جبريل إبراهيم والحركات المسلحة المشاركة في السلطة، في ظل خلافات متنامية بشأن النفوذ السياسي والاقتصادي لهذه الحركات، وحجم مشاركتها في مؤسسات الدولة.
وأثارت تصريحات للقيادي ناجي مصطفى جدلاً واسعاً، عندما قال: «كنا بلا حكومة ولا وزراء ولا إنتاج، والعاصمة و13 ولاية ساقطة، وكان اقتصادنا أفضل! فهمتوني؟».
ويرى المحلل السياسي أواب عزام البوشي، في إفادة لـ«عين الحقيقة»، أن هذا النوع من التصريحات يعكس تصاعد الانتقادات لإدارة الملف الاقتصادي، مشيراً إلى أن تحميل جبريل إبراهيم مسؤولية التدهور الاقتصادي أصبح جزءاً من خطاب سياسي أوسع داخل معسكر بورتسودان.
ويقول البوشي إن الحملة على وزير المالية لا يمكن فصلها عن الخلافات المتعلقة بموقع الحركات المسلحة داخل السلطة، موضحاً أن الصراع لا يتعلق فقط بتقييم الأداء الحكومي، بل يمتد إلى النفوذ السياسي والاقتصادي وتوزيع مواقع التأثير داخل مؤسسات الدولة.
وبحسب المصادر، هناك توجه داخل الحركة الإسلامية لإعادة ترتيب موازين النفوذ وتقليص الحضور السياسي والاقتصادي للحركات المسلحة المشاركة في الحكومة، بالتزامن مع تصاعد خطاب إعلامي ينتقد هذه الحركات، من خلال التركيز على أخطاء أو تجاوزات أمنية منسوبة إلى بعض عناصرها.
الاقتصاد في قلب الصراع السياسي
ويرى البوشي أن تزامن الأزمة الاقتصادية مع الحملات السياسية والإعلامية ضد جبريل إبراهيم والحركات المسلحة يفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة الصراع داخل معسكر بورتسودان، حيث تتداخل عوامل الاقتصاد مع السياسة والإعلام والنفوذ. ويضيف أن استمرار تراجع قيمة الجنيه وارتفاع الدولار وتكاليف المعيشة يمنح الأزمة الاقتصادية بعداً سياسياً متزايداً، إذ تتحول مسؤولية التدهور المعيشي إلى محور للتجاذب بين مكونات السلطة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الشعبية على الحكومة.
وتقول المصادر إن أحد أهداف هذا المسار يتمثل في إضعاف الحركات المسلحة سياسياً وشعبياً، تمهيداً لإعادة النظر في حجم مشاركتها داخل مؤسسات الدولة، وسط خلافات بشأن حصصها الوزارية ونفوذها في صناعة القرار.
وبحسب البوشي، فإن الخلافات داخل معسكر بورتسودان تنتقل تدريجياً من التنافس السياسي المباشر إلى صراع أكثر تعقيداً، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والسياسية والإعلامية، بينما يظل تدهور سعر الصرف وارتفاع تكاليف المعيشة العامل الأكثر تأثيراً في حياة المواطنين.
وتبقى الاتهامات المتعلقة بتورط شركات بعينها في المضاربة على العملات، وكذلك الحديث عن وجود حملات منظمة ضد وزير المالية والحركات المسلحة، بحاجة إلى أدلة مستقلة ومعلومات موثقة للتحقق منها، خصوصاً في ظل حساسية المشهد السياسي والاقتصادي وتداخل المصالح بين أطراف الصراع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.