الكلور تحت المجهر الدولي.. مطالب بتحقيق مستقل في اتهامات السلاح الكيميائي بالسودان
تقرير: عين الحقيقة
تتجه قضية الاتهامات باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب السودانية إلى مرحلة أكثر حساسية، مع تصاعد الدعوات لإجراء تحقيق دولي وفني مستقل، بالتزامن مع انعقاد الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، الممتدة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026.
وتأتي هذه التطورات بعد نشر صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست في الخامس من سبتمبر ملفات ووثائق وصوراً ومقاطع فيديو ورسائل قالتا إنها تقدم أدلة جديدة على برنامج سري داخل القوات المسلحة السودانية لتصنيع وتخزين ذخائر تعتمد على الكلور خلال عام 2024.
أدلة جديدة تعيد فتح الملف
بحسب التحقيقات المنشورة، تتضمن المواد التي جرى فحصها مخططات لذخائر، وصوراً لاختبارات في مناطق صحراوية، ورسائل بين مسؤولين عسكريين، ومعلومات عن تخزين مئات الذخائر التي يُعتقد أنها محملة بالكلور.
وتشير التقارير إلى أن بعض الكلور المستخدم في البرنامج المزعوم ربما جرى الحصول عليه من منشآت لمعالجة المياه، وهي مادة تستخدم مدنياً لتطهير مياه الشرب، قبل تحويلها ـ وفق ما ورد في الوثائق ـ إلى استخدام عسكري.
وتظل هذه المواد أدلة وادعاءات قيد التحقق الدولي المستقل، لا حكماً قضائياً نهائياً. كما نفت الحكومة السودانية الاتهامات، وقالت إن ما ورد في تقرير واشنطن بوست غير صحيح، وإن مخزونات الكلور في السودان مخصصة للاستخدامات المدنية والصناعية ومعالجة المياه.
من العقوبات الأميركية إلى المطالبة بالتحقيق
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في أبريل 2025 أنها خلصت إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024، وفرضت على إثر ذلك عقوبات مرتبطة بالقانون الأميركي الخاص بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية. وفي يونيو 2026 قررت واشنطن فرض إجراءات إضافية، دخل بعضها حيز التنفيذ في يوليو.
وفي المقابل، شكّلت الحكومة السودانية لجنة فنية وطنية للتحقيق في الاتهامات، وخلص تقريرها المرحلي إلى أنها لم تجد أدلة مادية أو فنية أو وثائقية تثبت استخدام الأسلحة الكيميائية في المواقع التي فُحصت. لكن الولايات المتحدة اعتبرت أن التحقيق الداخلي لا يمكن أن يحل محل التحقق الدولي المستقل، ودعت إلى وصول مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بصورة شفافة ودون عوائق.
لماذا يزداد الضغط من أجل تحقيق دولي؟
اللافت أن المطالب الجديدة لا تأتي فقط من منظمات حقوقية، بل أيضاً من خبراء سابقين في التحقيق بجرائم الأسلحة الكيميائية.
فقد قال مارك ألبون، الرئيس السابق لوحدة التحقيق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في سوريا، إن قضية الهجوم المزعوم على مصفاة الجيلي في سبتمبر 2024 تستحق تحقيقاً مستقلاً، يشمل فحص المواد المرئية المتاحة والاستماع إلى الأشخاص الذين قالوا إنهم تعرضوا للهجوم.
كما دعا خبراء سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى فتح تحقيق دولي، معتبرين أن المواد المنشورة في التحقيقات الصحفية تستوجب التحقق الفني، خصوصاً في ظل وجود شهادات عن أعراض تنفسية حادة ومواد رقمية مرتبطة بحوادث يُشتبه في استخدام الكلور خلالها.
قراءة خبراء ومراقبين لـ«عين الحقيقة»
خبير في القانون الدولي، تحدث لـ«عين الحقيقة»، يرى أن جوهر القضية لم يعد يتمثل في تبادل الاتهامات بين الأطراف، وإنما في سؤال أكثر تحديداً: هل توجد أدلة قابلة للفحص المستقل يمكن ربطها بواقعة استخدام مادة كيميائية كسلاح؟
ويضيف أن التحقيق المهني في مثل هذه القضايا يحتاج إلى الوصول إلى مواقع الحوادث، وفحص بقايا الذخائر، وتحليل العينات، ومقارنة الشهادات، والتحقق من سلسلة حيازة الأدلة، حتى يمكن الانتقال من مستوى الادعاء الصحفي أو السياسي إلى مستوى الإثبات الفني والقانوني.
مراقب سوداني متخصص في قضايا النزاع، قال لـ«عين الحقيقة» إن خطورة ملف السلاح الكيميائي تكمن في أنه يتجاوز حدود المعركة العسكرية، لأن ثبوت استخدام مواد سامة كسلاح يمكن أن يفتح مسارات إضافية للمساءلة الدولية، فضلاً عن تأثيره على حماية المدنيين وقواعد القانون الدولي الإنساني.
ويرى المراقب أن رفض التحقيق المستقل أو الاكتفاء بتحقيقات داخلية لن يحسم الجدل، في حين أن السماح لجهة دولية متخصصة بفحص الأدلة قد يوفر أساساً أكثر وضوحاً لتحديد المسؤولية، أياً كان الطرف الذي تثبت ضده الأدلة.
الأمم المتحدة: الحرب لا تُفهم بعيداً عن التدخل الخارجي
ويأتي ملف الأسلحة الكيميائية في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية بشأن التدخل الخارجي في الحرب السودانية.
وفي أحدث تصريحاته، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى محاسبة الدول التي تزود أطراف النزاع بالأسلحة، محذراً من أن الدعم العسكري الخارجي يفاقم الحرب ويزيد معاناة المدنيين. كما خلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن الدعم الخارجي، بما يشمل الأسلحة والطائرات المسيّرة والمساعدات اللوجستية، ساهم في تصعيد الهجمات ضد المدنيين.
وتشير هذه المعطيات إلى أن ملف السلاح الكيميائي لا ينفصل عن ملف أوسع يتعلق بمصادر السلاح وشبكات الإمداد ومسؤولية الأطراف الخارجية عن استمرار الحرب.
بورتسودان تحت ضغط المساءلة
وفي هذا السياق، تواجه السلطات المتحالفة مع الجيش في بورتسودان ضغوطاً متزايدة بشأن التعاون مع آليات التحقيق الدولية. وكانت بعثة تقصي الحقائق الأممية قد انتقدت رفض الحكومة المتحالفة مع الجيش السماح بدخول محققيها، معتبرة مبررات الرفض ضعيفة، فيما أكدت استعدادها للنظر في ملف برنامج الأسلحة الكيميائية المزعوم.
أما الحديث عن دور الإسلاميين وحلفائهم داخل مؤسسات السلطة، فيبقى قضية سياسية محل خلاف وتحتاج إلى توثيق منفصل لكل واقعة أو شخص. ولذلك فإن ربطهم مباشرة ببرنامج الأسلحة الكيميائية يتطلب أدلة مستقلة، وليس مجرد الاستناد إلى وجود نفوذ سياسي أو تحالفات داخل السلطة.
الاختبار الحقيقي: فتح الباب أمام الأدلة
مع استمرار الحرب، يبدو أن السؤال الأهم لم يعد فقط: هل استُخدم الكلور كسلاح في السودان؟ وإنما أيضاً: هل ستتاح للجهات الدولية المتخصصة فرصة الوصول إلى الأدلة والتحقق منها بصورة مستقلة؟
فالتحقيق في جرائم الأسلحة الكيميائية لا يمكن أن يقوم على رواية طرف واحد، كما لا يمكن حسمه بالنفي السياسي وحده. المطلوب هو فحص ميداني، وأدلة مادية، وشهادات موثقة، وتحليل فني، وسلسلة واضحة لحيازة العينات والأدلة.
وبينما تنفي الحكومة السودانية الاتهامات، تتراكم تقارير صحفية وحقوقية وشهادات خبراء تدعو إلى تحقيق دولي. وفي ظل هذا التباين، تبقى المساءلة الفنية المستقلة هي الطريق الأكثر مباشرة لتحديد ما حدث، ومن المسؤول عنه، وما إذا كانت الأسلحة الكيميائية قد دخلت بالفعل إلى ساحة الحرب السودانية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.