بينما يبحث ملايين السودانيين الذين فرّوا من الحرب عن مساحة آمنة خارج البلاد، تتصاعد في مصر، التي تستضيف أعداداً كبيرة من السودانيين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، مظاهر ضغط اجتماعي وقانوني وإعلامي تجعل قضية اللاجئين جزءاً من صراع سياسي يتجاوز حدود الأزمة الإنسانية.
هيومن رايتس ووتش: السلطات المصرية كثفت، منذ أواخر 2025 وخلال 2026، حملات التوقيف والاحتجاز والترحيل بحق لاجئين وطالبي لجوء، فيما حذرت من مخاطر الإعادة دون تقييم فردي لمخاطر الاضطهاد.
وفي قلب هذا المشهد، تتحدث مصادر سودانية مطلعة لـ«عين الحقيقة» بأن الحركة الإسلامية السودانية، «الإخوان»، عبر واجهاتها الاجتماعية والإعلامية، ظلت تمارس في الخفاء نشاطات مختلفة في القاهرة، بالعمل على توظيف حالة الاحتقان بين السودانيين والمجتمع المصري، ودفع خطاب عام يصب في اتجاه الضغط على اللاجئين للعودة إلى السودان، خصوصاً إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش. كما تدفع كل إفادات المصادر إلى ما يجري استثماره الآن، والضغوط النفسية التي يواجهها السودانيون في مصر لتغيير قرارهم بشأن العودة، بدلاً من ترك هذا القرار رهناً بتقييمهم المستقل لسلامتهم ومستقبلهم.
الكراهية كأداة ضغط
خلال هذا العام، تعرض السودانيون في مصر لضغوط متزايدة، بالتزامن مع حملات توقيف وترحيل أثارت انتقادات من منظمات حقوقية دولية. وقالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات المصرية كثفت، منذ أواخر 2025 وخلال 2026، حملات التوقيف والاحتجاز والترحيل بحق لاجئين وطالبي لجوء، فيما حذرت من مخاطر الإعادة دون تقييم فردي لمخاطر الاضطهاد.
كما وثقت تقارير صحفية وحقوقية أوضاعاً صعبة يعيشها سودانيون في مصر، بما في ذلك الخوف من الترحيل، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ومشكلات الإقامة والعمل. لكن في واقع الأمر، تبرر الحكومة المصرية بأنها قدمت خدمات واستضافة واسعة للسودانيين الفارين من الحرب، وترفض تصوير سياساتها باعتبارها تستهدف السودانيين بصورة عامة.
وسط هذه البيئة المشحونة، يصبح خطاب الكراهية الذي يقف من خلفه «الإسلاميون» أكثر خطورة؛ لأنه يستطيع تحويل الخلافات السياسية إلى عداء بين شعوب، وتحويل اللاجئ السوداني من إنسان هارب من الحرب إلى طرف في معركة سياسية لا علاقة له بها.
وبحسب مواطن سوداني لاجئ بمصر تحدث لـ«عين الحقيقة»، فإن الإسلاميين بواجهاتهم المنتشرة وسط السودانيين في القاهرة يسعون بكل قوة إلى الاستفادة من هذا المناخ، عبر خطاب يحمّل مصر والمصريين مسؤولية معاناة السودانيين، وفي الوقت نفسه يقدّم العودة إلى المناطق التي يسيطر عليها الجيش باعتبارها الخيار الطبيعي أو الوحيد.
العودة.. قرار إنساني أم مشروع سياسي؟
المشكلة الأساسية في هذا الخطاب، وفق انتقادات السودانيين في مصر، أنه قد يختزل قضية العودة في بعدها السياسي، متجاهلاً الأسئلة الأكثر أهمية بالنسبة للاجئ: هل المنطقة آمنة؟ هل توجد خدمات صحية؟ هل المدارس تعمل؟ هل المنازل صالحة للسكن؟ هل توجد حماية قانونية؟ وهل يستطيع العائد توفير الغذاء والعمل والدخل؟
وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن العودة يجب أن تكون طوعية، قائمة على معلومات دقيقة ومحدثة، وأن الظروف في السودان ما تزال تتسم بالتقلبات الأمنية، مع مخاطر تتعلق بالأمن والصحة والسكن والوثائق والحماية والوصول إلى الخدمات الأساسية.
كما تؤكد المفوضية في تقاريرها أنها لا تشجع العودة إلى السودان التي لا يمكن فيها ضمان السلامة والكرامة واستدامة الاحتياجات الأساسية.
وهنا تبرز المفارقة السياسية: إذا كانت العودة تحتاج إلى الأمن والخدمات والاستقرار، فإن دفع الناس إليها عبر الضغط النفسي أو خطاب الكراهية لا يجعلها عودة طوعية بالمعنى الحقيقي، حتى لو لم يصدر أمر مباشر بالعودة.
الجيش.. صورة المناطق الآمنة
وتزداد حساسية المسألة عندما ترتبط العودة بإعادة بناء صورة المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش باعتبارها مناطق آمنة ومستقرة. فبحسب صحفي سوداني فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة»، فإن عودة أعداد كبيرة من السودانيين إلى تلك المناطق يمكن أن تُستخدم سياسياً لإظهار أن الأوضاع تحسنت وأن الحرب انتهت عملياً في مناطق سيطرة الجيش، بما يمنح القيادة العسكرية وحلفاءها مكاسب سياسية وشعبية.
لكن العودة الجماعية لا تعني بالضرورة انتهاء الحرب، كما أن وجود السكان في منطقة ما لا يمثل وحده دليلاً على استقرارها. وتشير استراتيجية مفوضية اللاجئين بشأن السودان إلى أن عقبات العودة لا تقتصر على الأمن، بل تشمل الحوكمة وسيادة القانون، والوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية، والسكن، واستعادة الممتلكات والأراضي، والوثائق وفرص كسب العيش.
إعادة إنتاج الأزمة
المفارقة الأكبر أن الحرب التي دفعت ملايين السودانيين إلى النزوح والفرار إلى القاهرة لا يمكن أن تكون أساساً لإجبارهم على العودة إليها. فاللاجئ الذي فقد منزله، أو انفصل عن أسرته، أو خسر مصدر دخله، لا يحتاج إلى خطاب سياسي يطالبه بالعودة، بل إلى ضمانات حقيقية تمكنه من اتخاذ القرار بنفسه.
كما أن تحويل الغضب من سياسات الحكومة المصرية إلى كراهية عامة تجاه المصريين يخدم، في نهاية المطاف، أطرافاً سياسية أكثر مما يخدم اللاجئين. فالمواطن السوداني في القاهرة ليس مسؤولاً عن سياسات الدولة المصرية، والمواطن المصري ليس مسؤولاً عن الحرب السودانية.
وفي ضوء ذلك، فإن تجاهل الانتهاكات أو الضغوط التي يتعرض لها السودانيون في مصر ليس حلاً أيضاً. المطلوب هو التعامل معها باعتبارها قضايا حقوقية وقانونية، بعيداً عن تحويلها إلى وقود لصراع سياسي سوداني داخلي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل يعود السودانيون إلى بلادهم؟ بل: هل يستطيع السوداني أن يقرر العودة بحرية، بعيداً عن الخوف والكراهية والضغط السياسي؟
السؤال الأصعب
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل يعود السودانيون إلى بلادهم؟ بل: هل يستطيع السوداني أن يقرر العودة بحرية، بعيداً عن الخوف والكراهية والضغط السياسي؟ فالعودة الحقيقية تبدأ عندما يصبح السودان للسوداني مكاناً فيه «أمنه وسلامته»، يستطيع فيه المواطن أن يعيش بأمان، ويجد منزلاً صالحاً، ومستشفى ومدرسة وسوقاً وفرصة عمل وحماية قانونية. أما إعادة السودانيين إلى مدن مدمرة، أو مناطق تفتقر إلى الخدمات والأمن، ثم تقديم ذلك باعتباره انتصاراً سياسياً أو دليلاً على استقرار البلاد، فلن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء أزمة النزوح؛ وقد يعيد إنتاجها بصورة جديدة.
وفي الواقع، يظل تكرار الدعوات والمناشدات المنظمات الحقوقية تجاه تحمّل المسؤولية الكاملة لقيادة الجيش السوداني والقوى السياسية الداعمة لها، لا سيما الحركة الإسلامية بقيادة علي كرتي وقائد الجيش والقوى المدنية، أن تجعل قرار السوداني بشأن العودة قراراً إنسانياً حراً، لا نتيجة لضغط الكراهية أو الخوف أو الدعاية السياسية.
فاللاجئ ليس ورقة في معركة سلطة بورتسودان، والعودة ليست شهادة سياسية لتثبيت عودة الحركة الإسلامية للسلطة، والأمن لا يُقاس بعدد العائدين إلى مناطق سيطرة الجيش، وإنما بقدرة المواطن على البقاء في بلده دون أن يخشى على حياته وكرامته ومستقبل أسرته.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.