ازدواجية أردوغان: يحارب حكم العسكر في أنقرة ويسلّحه بالمسيرات في السودان

ةتقرير ـ عين الحقيقة

يجد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه في مواجهة اتهامات بالكيل بمكيالين في الملف السوداني. فالرجل الذي بنى مشروعه السياسي في تركيا على إنهاء وصاية الجيش على السياسة وتقليم أظافر الجنرالات، يدعم اليوم في السودان نظاما عسكريا انقلابيا يهيمن عليه حلفاؤه من تنظيم الإخوان المسلمين.

 

ويطرح هذا التناقض سؤالا جوهريا في الخرطوم: هل موقف أنقرة مبدئي ضد الانقلابات، أم أنه موقف براغماتي تحدده هوية الانقلابيين؟ فإذا كان العسكر علمانيين كما في تركيا سابقا وجب إسقاطهم، وإذا كانوا إخوانا كما في السودان وجب تسليحهم وشرعنتهم؟

 

وتكشف المتابعة الميدانية أن الدعم التركي لمعسكر بورتسودان يقوم على ثلاثة محاور متداخلة.

 

الدعم العسكري.. بيرقدار في سماء السودان

 

منذ أواخر عام 2023 وثقت تقارير ميدانية واستخباراتية غربية وصول دفعات من الطائرات المسيرة التركية من طراز بيرقدار TB2 إلى الجيش السوداني عبر عقود مع منظومة الصناعات الدفاعية التركية. واستخدمت هذه المسيرات بكثافة في معارك الخرطوم ودارفور وكردفان.

 

وتفيد تقديرات منظمات حقوقية سودانية ودولية بأن الضربات التي نفذتها تلك المسيرات على مناطق مأهولة وبنى تحتية تسببت في سقوط آلاف الضحايا المدنيين، وهو ما دفع واشنطن إلى المطالبة بتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان والمسيرات ومكوناتها.

 

وتنفي أنقرة رسميا تقديم دعم عسكري مباشر وتصفه بأنه تعاون دفاعي مشروع مع مؤسسات الدولة، لكن صور حطام مسيرات تحمل شعار بيرقدار في مواقع القتال عززت تلك الاتهامات.

 

الدعم السياسي والإعلامي

 

تحولت إسطنبول منذ سقوط نظام عمر البشير في 2019 إلى المركز الإقليمي الأكبر لقيادات الحركة الإسلامية السودانية والمؤتمر الوطني المحلول. وتستضيف تركيا العشرات من قيادات الصف الأول والثاني الذين يديرون أنشطتهم السياسية والمالية والإعلامية بحرية كاملة.

 

وتبرز في هذا السياق قناة طيبة الفضائية، الناطقة باسم التيار الإسلامي الداعم للجيش. القناة التي أغلقت مكاتبها في الخرطوم بعد الثورة تبث اليوم بكامل طاقمها من إسطنبول، وتعمل كذراع إعلامية للتحريض على استمرار الحرب ومهاجمة القوى المدنية وتوفير الغطاء الشرعي لعودة الإسلاميين عبر واجهة الحرب.

 

شرعنة الانقلاب

 

لا يقتصر الدور التركي على السلاح والمنبر، بل يتعداه إلى توفير الشرعية السياسية. فبينما كان أردوغان يصف تدخل الجيش التركي في السياسة بأنه عمل للدولة العميقة، يقدم الإعلام التركي الرسمي وشبه الرسمي الجيش السوداني الذي يهيمن عليه الإسلاميون كجيش وطني يحارب التمرد.

 

ويرى محللون أن هذا يكشف أن الموقف التركي ليس موقفا ضد العسكرة، بل موقف مع عسكرة من نوع محدد. وهو ما دفع سياسيين سودانيين إلى وصف السياسة التركية بأنها نفاق سياسي يغذي الحرب بمسيرات تقتل السودانيين في النهار، ويستضيف في الليل من يبررون قتلهم باسم الشرعية من إسطنبول.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.