حكومة الأمر الواقع.. حالة فشل..!

تيسير المبارك

 

لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد ارتفاع في الأسعار أو تراجع في قيمة الجنيه، بل تحولت إلى أزمة ثقة كاملة بين السوق والسلطة والمواطن. وفي مناطق سيطرة الجيش، تتزايد المؤشرات على اتساع الاختناق الاقتصادي، من إغلاق المحال وإضراب التجار إلى اضطراب الخدمات المصرفية وشح السيولة وتصاعد الرسوم والجبايات. وخلال سبتمبر 2026، سجل الجنيه السوداني تقلبات حادة في السوق الموازية؛ فقد اقترب الدولار من 9 آلاف جنيه قبل أن يتراجع بصورة مؤقتة إلى نحو 7,600 جنيه في 17 سبتمبر، في مؤشر على شدة التقلب وليس على استقرار مستدام.

إغلاق المتاجر لم يعد مجرد قرار تجاري لحماية رأس المال من الخسارة. بالنسبة إلى عدد من التجار، أصبح الإغلاق احتجاجاً على بيئة اقتصادية يقولون إنها باتت غير قابلة للاستمرار. فالتاجر يشتري اليوم بسعر، ولا يعرف بأي سعر سيتمكن من إعادة شراء البضاعة غداً. والسلعة التي تدخل السوق محملة بتكاليف النقل والوقود والرسوم والضرائب تجد نفسها أمام مستهلك فقد جزءاً كبيراً من قدرته الشرائية.

وفي الوقت نفسه، تتعدد الرسوم الحكومية والمحلية، بينما تظل حركة التجارة ضعيفة بفعل الحرب والقيود على النقل وتضرر سلاسل الإمداد. وتشير بيانات حديثة إلى أن السلطات نفسها تسعى إلى توسيع قاعدة التحصيل الضريبي، مع إعلان وزارة المالية تجميد معدلات الضرائب القائمة والتركيز على إدخال قطاعات جديدة إلى النظام الضريبي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن زيادة التحصيل من اقتصاد يعاني أصلاً من الانكماش والركود؟

المفارقة الصارخة أن السلطة تحتاج إلى موارد أكبر لتمويل مؤسساتها في زمن الحرب، لكنها في الوقت ذاته تواجه اقتصاداً تتراجع فيه القدرة الإنتاجية والتجارية. وكلما ارتفعت الرسوم، زادت تكلفة السلعة. وكلما ارتفع الوقود، ارتفعت تكلفة النقل. وكلما تراجع الجنيه، قفزت تكلفة الاستيراد. وفي النهاية يدفع المواطن الفاتورة كاملة. وقد ظهرت بالفعل آثار أزمة الوقود في سبتمبر، مع طوابير طويلة أمام محطات الخدمة وارتفاع الأسعار في عدد من الولايات، بينما عزت السلطات جزءاً من الأزمة إلى ارتفاع الطلب وتراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف الاستيراد. هكذا تبدو الحلقة المفرغة: حرب تضرب الإنتاج، عملة تنهار، استيراد يصبح أكثر كلفة، رسوم تتزايد، ثم أسعار تلتهم دخول المواطنين.

أما القطاع المصرفي، الذي يفترض أن يكون صمام الأمان في مثل هذه الظروف، فقد تحول هو الآخر إلى مصدر إضافي للارتباك. فالتطبيقات المصرفية أصبحت بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السودانيين بديلاً عن النقد، وبالتالي فإن تعطلها لا يعني مجرد مشكلة تقنية، بل يعني عملياً تعطيل عمليات البيع والشراء. وسبق أن أدت أعطال تطبيقات مصرفية إلى شلل في أجزاء من الأسواق، في ظل أزمة سيولة حادة وتضرر البنية التحتية المصرفية والاتصالات منذ اندلاع الحرب. وبذلك أصبح المواطن عالقاً بين خيارين كلاهما صعب: نقد غير متوفر، أو تطبيق مصرفي قد يتوقف في اللحظة التي يحتاجه فيها.

من السهل أن تُحمّل السلطات التجار مسؤولية ارتفاع الأسعار أو تلجأ إلى ملاحقة السوق الموازية، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأكبر: لماذا فقد الاقتصاد قدرته على إنتاج السلع وتوفير النقد الأجنبي والحفاظ على قيمة العملة؟ التاجر ليس من يصنع الحرب، وليس هو من يحدد تكلفة الوقود أو النقل أو الرسوم الحكومية. كما أن المستهلك ليس مسؤولاً عن انهيار القوة الشرائية للجنيه. المشكلة أوسع من طرف واحد، لكن الحكومة التي تدير المناطق الخاضعة لسيطرتها تتحمل مسؤولية مباشرة عن السياسات المالية والنقدية والخدمات التي تقع ضمن نطاق إدارتها.

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، أصبح الاقتصاد السوداني يدفع ثمن الانقسام وتدمير البنية الإنتاجية وتعطل التجارة وتراجع الإيرادات. والأرقام المتقلبة لسعر الدولار ليست سوى شاشة تعرض عمق الأزمة؛ فخلف كل قفزة في سعر الصرف هناك تاجر يعيد حساب تكلفة بضاعته، ومصنع يواجه تكلفة تشغيل أعلى، وسائق يدفع سعراً أكبر للوقود، وأسرة تكتشف أن راتبها فقد جزءاً جديداً من قيمته.

حكومة الأمر الواقع لا تستطيع إدارة اقتصاد الحرب بمنطق الجباية وحدها. فالاقتصاد لا ينهض بالرسوم، والأسواق لا تستعيد عافيتها بالإغلاق والملاحقة، والعملة لا تستعيد قيمتها بالقرارات الإدارية وحدها. المطلوب سياسة اقتصادية تعيد الثقة إلى السوق، وتدعم الإنتاج والتجارة، وتقلل تعدد الرسوم، وتضمن استقرار الخدمات المصرفية، وتتعامل مع جذور الأزمة بدلاً من مطاردة نتائجها كل صباح. وإلا فإن إغلاق متجر اليوم قد يتحول غداً إلى إغلاق قطاع كامل، وحينها لن تكون المشكلة في الأسواق وحدها، بل في قدرة الاقتصاد نفسه على البقاء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.