في السودان، لم تعد الحرب وحدها تحصد الأرواح، فبعد أن فرّ الناس من القصف والرصاص والجوع، وجدوا أنفسهم في مواجهة عدو آخر لا يقل فتكاً: الأوبئة التي تنهش أجساد المدنيين في ظل انهيار النظام الصحي وغياب الاستجابة الحكومية الفاعلة.
أكثر من 5 آلاف إصابة بحمى الضنك، وأكثر من 30 وفاة معلنة، أرقام تكشف حجم الكارثة الصحية التي تتسع يوماً بعد يوم، وسط تحذيرات من تفاقم الوضع الوبائي، ومطالبات بإعلان حالة طوارئ صحية عاجلة لمواجهة انتشار المرض.
لكن خلف الأرقام توجد قصص إنسانية مؤلمة؛ أسر فقدت أبناءها، ومرضى يبحثون عن سرير في مستشفيات أنهكها النزوح ونقص الأدوية وانقطاع الخدمات الأساسية. فالمواطن السوداني الذي نجا من القصف والمعارك، بات مهدداً بلسعة بعوضة في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الوقاية والعلاج.
الحرب لم تدمر المنازل والطرق فقط، بل أصابت القطاع الصحي في مقتل. المستشفيات خرجت من الخدمة، الكوادر الطبية غادرت مناطق الخطر، والأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية أصبحت نادرة أو بعيدة عن متناول الكثيرين. وفي ظل تراجع حملات مكافحة البعوض وانتشار المياه الراكدة بسبب الأمطار والدمار، أصبحت الظروف مثالية لانتشار حمى الضنك وغيرها من الأمراض.
المأساة أن المرض لا يفرق بين طرف وآخر، ولا يسأل عن الانتماء السياسي أو الموقف من الحرب. الضنك يضرب الأطفال والنساء وكبار السن، ويكشف أن المدنيين هم الحلقة الأضعف في صراع يدفعون ثمنه يومياً.
إن استمرار التعامل مع الأزمة الصحية باعتبارها ملفاً ثانوياً يعني ترك آلاف السودانيين لمصير مجهول. فالحرب التي بدأت بالرصاص قد تتحول إلى حرب أخرى صامتة تقودها الأوبئة، إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة بسرعة لإعلان حالة طوارئ صحية، وتوفير العلاج، ودعم المستشفيات، وتنفيذ حملات واسعة لمكافحة انتشار المرض.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف صوت البنادق، بل يحتاج أيضاً إلى إنقاذ الأرواح التي تزهق بصمت. فهناك من نجا من الرصاص، لكنه قد لا ينجو من المرض إذا استمر الإهمال.
المواطن السوداني لا يطلب المستحيل؛ يريد فقط حقه الطبيعي في الحياة، في بلد أصبحت فيه النجاة نفسها معركة يومية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.