الجميل الفاضل يكتب: كيف ومتى يسترد جيل السودان الحالي كنز أجداده؟
ربما لم يكن السودان، في كل هذا الذي ألمَّ به، فقيراً كما نظن.
ربما كان كنزه مطموراً في موضعٍ لا تصل إليه يدُ سارق، ولا تهدمه حرب، ولا تحرقه نار.
إنه كنز تحت ذلك الجدار الذي يكاد يسقط، بينما لا يزال تحته شيءٌ من سرٍّ خفي.
ففي سورة الكهف، حين أقام الخضر الجدار، لم يكن الجدار حجارةً تُرمَّم، وإنما كان أمانةً مؤجَّلة؛ كنزُ غلامين يتيمين، حفظه الله لهما لأن أباهما كان صالحاً.
وفي الغار، حين انطبقت الصخرة على ثلاثة رجال، لم يكن لهم إلى السماء إلا صالح أعمالٍ قديمة؛ برٌّ لم يُنسَ، وعفّةٌ لم تُبَعْ، وأمانةٌ لم تُخَنْ.
وكأن لنا في القصتين معاً إشارةً وعبرةً، أظنها تقول: إن للصلاح أثراً يتجاوز صاحبه، وإن ما يفعله الآباء، أحياناً، لا ينتهي عند موتهم.
يبقى كجدارٍ مستور، وكوديعةٍ لا يعرف الأبناء موضعها إلا حين تضيق بهم الأرض.
فماذا لو كان أجداد السودان قد تركوا لنا شيئاً من ذلك؟
إنهم لم يتركوا لنا ذهباً يكفي كل هذه الفاقة، ولا قصوراً تنجو من القذائف، ولا خزائن لا تنفد.
لكنهم تركوا شيئاً ربما كان أثمن: سمعةً طيبة، ونجدةً عند الملمات، وحياءً من أكل مال الغير، وإغاثةً للملهوف، وحقناً للدم، وصلةً للرحم، وستراً للجار، وكلمةً لا تُقال إلا بميزان.
تركوا لنا —في ظني— رصيداً أخلاقياً هائلاً، ولعل هذا الرصيد هو الذي أبقى الجدار واقفاً الي يومنا هذا.
فكم من مرةٍ كان ينبغي للسودان أن يسقط، ثم بقي؟
وكم من مرةٍ ظنناه بلغ آخر الحافة، فإذا بشيءٍ خفيٍّ يمسكه من قفاه؟
ربما كان ذلك بعض أثر أسلافنا، وشيئا من بركة الصالحين منهم الذين مضوا.
لكن الرصيد لا يُستهلك إلى الأبد، وما يُورَث لا يعني أنه يُعفى من الاختبار.
فأصحاب الغار لم يقولوا: كان آباؤنا صالحين، بل قال كل واحد منهم: هذا ما فعلتُه أنا، ومن هنا تبدأ مسألة.
إذ ليس المطلوب أن نتغنى بصلاح الأجداد، وإنما أن نصير نحن صالحين بما استودعنا إياه هؤلاء الأجداد.
فالرجل الأول لم يفتح باب الغار بالكلام عن برّ الوالدين فقط؛ فتحه بعملٍ لم يره أحد.
والرجل الثاني لم يفتح بابه بكثرة المال؛ فتحه حين استطاع أن يأخذ، ثم خاف الله وترك.
والثالث لم يفتح بامتلاك مال الأجير؛ فتحه حين حفظه، ثم نمّاه، ثم ردّه إليه كاملاً، ثقة بما في يد أخري.
إنها ثلاثة أبواب:
برٌّ حين تكون المصلحة في الأخذ، وعفافٌ حين تكون القدرة في اليد، وأمانةٌ حين يكون الغياب فرصةً للخيانة.
أليست هذه، في جوهرها، بعض مفاتيح السودان القديم؟
أن تكون «أمك الكبرى» هذا الوطن، فلا تُقدَّم عليها عصبيةٌ صغيرة.
وأن يكون الضعفاء أمانةً في أعناق الأقوياء، فلا يُترك شيخٌ في العراء، ولا طفلٌ في النزوح، ولا امرأةٌ على حافة الخوف، لأن أصحاب القرار كانوا مشغولون حينها بتنمية أرصدتهم المالية، أو بتصفية حساباتهم الشخصية.
وأن تعفَّ كل يدٍ عن المال العام عموماً، والنفسُ عن دم أخيها، واللسانُ عن إشعال نار الكراهية.
وأن يعرف القادر أن القدرة ليست إذناً بالظلم والفساد والاستبداد.
وأن يفهم المنتصر —إن جاءه نصر— أن أول اختبارٍ له يبدأ مباشرة بعد هذا الانتصار، مهما كان صغيراً أو كبيراً.
فالصخرة لا تنزاح لأننا بكينا أمامها، ولا لأننا أكثرنا الحديث عن أمجاد الذين سبقونا.
إنها تنزاح حين يأتي من الأبناء عملٌ صالحٌ جديد، يُضاف إلى ذلك الأثر القديم.
هنا بالضبط يلتقي الغار بالجدار:
صلاح الآباء يحفظ الجدار، وصلاح الأبناء يحفظ الكنز.
المهم، لعل الكنز هو أن نسترد الإنسان الذي كاد يضيع منا بفعل فاعل ربما.
أن نسترد معنى أن يكون الجار جاراً، والضعيف أخاً، وأن تكون للدم حرمة؛ فالدم السوداني أرخص دمٍ اليوم في بورصة الحروب كلها.
أن نسترد تلك المروءة التي كانت تجعل الرجل يقتسم القليل، ولا يمد يده إلى الكثير.
وحينئذٍ فقط، قد نفهم لماذا بقي شيءٌ من الجدار واقفاً.
يقيني أن الله لم يترك السودان عارياً بلا ستر، بما أبقاه علينا من أثر الصالحين كي لا نسقط تماماً.
لكن الأثر في الحقيقة ليس بديلاً عن العمل، والكنز لا يُسترد بالحنين، والبركة لا تُستدعى بالذكريات.
لا بد أن يأتي جيلٌ يقول —كما قال أصحاب الغار— كلٌّ بلسان حاله: هذا ما فعلتُ أنا، حينها قد تتحرك الصخرة، وقد يظهر أول خيطٍ من الضوء، وقد نكتشف أن الطريق إلى خارج الغار لم يكن بعيداً كما توهَّمنا.
كان الطريق فينا، وكان الكنز تحت الجدار، وكان الجدار يصون ما لنا من أمانة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.