حقوق المعلمين المؤجلة.. هل ابتلع الإنفاق العسكري موازنة التعليم؟

تقرير: عين الحقيقة

رغم مرور أشهر على تصاعد مطالب المعلمين والمعلمات بتسوية حقوقهم المالية وتحسين أوضاعهم المعيشية، لا يزال الملف يراوح مكانه، في وقت تواصل فيه حكومة بورتسودان إدارة واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ البلاد.

وبينما تبرر السلطات التأخير بالضغوط الاقتصادية التي فرضتها الحرب، يرى مراقبون أن استمرار الأزمة يعكس إشكالية أعمق تتعلق بترتيب أولويات الإنفاق العام، ومدى قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات الحرب والحفاظ على الخدمات الأساسية.

وتتركز المسؤولية التنفيذية عن هذا الملف بين وزارة المالية، التي يقودها د. جبريل إبراهيم، ورئاسة الوزراء بقيادة د. كامل إدريس، إلى جانب مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، باعتبارها المؤسسات المعنية بإدارة الموارد العامة ورسم السياسات الاقتصادية خلال المرحلة الحالية. ومع استمرار غياب معالجة حاسمة، تتزايد التساؤلات حول الأسباب التي أدت إلى تراجع ملف التعليم في سلم الأولويات، رغم الإجماع على أهميته في استقرار الدولة ومستقبلها.

وتواجه حكومة بورتسودان تحديات مالية غير مسبوقة نتيجة الحرب، شملت تراجع الإيرادات العامة، وتعطل قطاعات اقتصادية رئيسية، وفقدان الدولة جزءًا من مواردها الإنتاجية والضريبية، إلى جانب ارتفاع تكاليف العمليات العسكرية والإغاثة والخدمات الأساسية. وفي ظل هذه المعطيات، اتجه جانب كبير من الإنفاق العام إلى القطاعات الأمنية والعسكرية، باعتبارها أولوية ترتبط باستمرار الصراع.

إلا أن هذا الواقع فتح بابًا واسعًا للنقاش حول أثر تلك السياسات في القطاعات المدنية، وفي مقدمتها التعليم. فالمعلمون، الذين يمثلون العمود الفقري للعملية التعليمية، يقولون إنهم أصبحوا من أكثر الفئات تأثرًا بالأزمة الاقتصادية، في ظل تأخر استحقاقاتهم المالية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القوة الشرائية لرواتبهم، الأمر الذي دفع أعدادًا منهم إلى مغادرة المهنة أو البحث عن مصادر دخل بديلة.

ويرى خبراء في الاقتصاد العام أن الموازنات الحكومية لا تعكس فقط حجم الموارد المتاحة، وإنما تكشف أيضًا طبيعة الأولويات التي تعتمدها الحكومات في إدارة الأزمات. فكلما زادت حصة قطاع معين من الإنفاق، تراجعت، بالضرورة، فرص القطاعات الأخرى، خصوصًا في ظل محدودية الموارد. ومن هذا المنطلق، يعتقد عدد من المحللين أن استمرار تعثر معالجة حقوق المعلمين يعكس أن التعليم لم يحتل، حتى الآن، موقعًا متقدمًا ضمن أولويات السياسة المالية.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة، في أكثر من مناسبة، أن الحرب فرضت واقعًا استثنائيًا، وأن الحفاظ على الأمن والدفاع يمثل ضرورة لا يمكن تجاوزها في هذه المرحلة. ويستند هذا الطرح إلى أن أي تراجع في تمويل المؤسسات العسكرية قد ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على إدارة الصراع وحماية المناطق الخاضعة لسيطرتها، وهو ما يجعل إعادة توزيع الموارد عملية شديدة التعقيد.

لكن هذا التبرير لا ينهي الجدل؛ إذ يرى خبراء في السياسات العامة أن الاستثمار في التعليم لا يقل أهمية عن الاستثمار في الأمن، لا سيما في الدول التي تمر بصراعات طويلة. فالتجارب الدولية تشير إلى أن استمرار انهيار المؤسسات التعليمية يؤدي إلى خسائر بعيدة المدى، تشمل تراجع جودة رأس المال البشري، واتساع معدلات التسرب المدرسي، وهجرة الكفاءات، وهي نتائج يصعب معالجتها بعد انتهاء النزاعات.

وفي هذا السياق، يبرز دور وزارة المالية في بورتسودان، باعتبارها الجهة المسؤولة عن إعداد وتنفيذ السياسة المالية، وتحديد أوجه الصرف وفق الموارد المتاحة. كما يقع على عاتق رئاسة الوزراء تنسيق السياسات الحكومية، وضمان عدم تأثر الخدمات الأساسية بصورة تهدد الاستقرار الاجتماعي. أما مجلس السيادة، فيظل صاحب الدور السياسي الأعلى في تحديد أولويات الدولة خلال المرحلة التي فرضتها الحرب.

وتشير مؤشرات الأزمة إلى أن انعكاساتها تجاوزت المعلمين أنفسهم، لتطال العملية التعليمية بأكملها. فقد أدى تراجع الأوضاع المعيشية للكوادر التعليمية إلى انخفاض الاستقرار الوظيفي، وتزايد الغياب، وصعوبة استمرار بعض المدارس في أداء مهامها بالكفاءة المطلوبة، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الطلاب والأسر ومستقبل النظام التعليمي.

ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع قد يفرض كلفة اقتصادية واجتماعية أكبر من الكلفة الحالية لمعالجة الأزمة.

فكلما طال أمد تراجع التعليم، ازدادت الحاجة، مستقبلًا، إلى استثمارات أكبر لإعادة تأهيل المدارس، واستقطاب الكوادر، وتعويض الفاقد التعليمي الذي خلّفته الحرب. ولذلك ينظر كثير من خبراء التنمية إلى التعليم باعتباره استثمارًا طويل الأجل، وليس بندًا استهلاكيًا يمكن تأجيله في أوقات الأزمات.

كما يلفت باحثون في قضايا التنمية إلى أن تجارب الدول الخارجة من النزاعات أظهرت أن إعادة بناء التعليم كانت من أولى الخطوات التي أسهمت في استعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

فوجود مدارس مستقرة، ومعلمين قادرين على أداء رسالتهم، يسهم في الحد من آثار الحرب على الأطفال والشباب، ويعزز فرص التعافي الوطني على المدى البعيد.

ويذهب بعض المراقبين إلى أن أزمة المعلمين أصبحت تمثل مؤشرًا على التحدي الأكبر الذي تواجهه حكومة بورتسودان، والمتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين ضرورات الحرب ومتطلبات الدولة المدنية. فإدارة الموارد المحدودة تفرض اختيارات صعبة، لكن استمرار اختلال التوازن لفترة طويلة قد يترك آثارًا تتجاوز الأزمة المالية نفسها، لتطال ثقة المواطنين في المؤسسات العامة وقدرتها على حماية الحقوق الأساسية.

وفي ظل استمرار الحرب، تبدو معالجة هذا الملف مرتبطة بقدرة الحكومة على إعادة ترتيب أولوياتها المالية، والبحث عن آليات تضمن الحد الأدنى من الاستقرار للعاملين في قطاع التعليم، دون الإخلال بالمتطلبات الأمنية التي تفرضها الظروف الحالية. ويجمع عدد من المحللين على أن نجاح أي مشروع لإعادة بناء السودان لن يعتمد فقط على إنهاء الحرب، وإنما أيضًا على قدرة الدولة على الحفاظ على مؤسساتها المدنية، وفي مقدمتها التعليم.

وبين ضغوط حرب أبريل، وارتفاع الإنفاق العسكري، واستمرار المطالبات بحقوق المعلمين، تبقى الأزمة مفتوحة على أكثر من احتمال. غير أن المؤكد، وفقًا لكثير من الخبراء، أن الاستثمار في التعليم لا يمثل خيارًا مؤجلًا، بل أحد الشروط الأساسية لاستقرار الدولة بعد الحرب.

ولذلك، فإن كيفية إدارة هذا الملف خلال المرحلة الحالية ستشكل معيارًا مهمًا للحكم على أولويات السياسات العامة، وعلى قدرة مؤسسات الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحق المواطنين في خدمات عامة قادرة على بناء المستقبل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.