لا يمكن لأي دولة أن تتحدث عن التنمية أو بناء المستقبل بينما يعيش معلموها تحت وطأة الفقر والعوز والإهمال. فالمعلم ليس مجرد موظف يتلقى راتبًا في نهاية الشهر، بل هو حجر الأساس في بناء الأجيال وصناعة الوعي وحماية المجتمع من الجهل والتخلف. وعندما تصل أوضاع المعلمين إلى مرحلة تدفعهم إلى الإضراب والاحتجاج للمطالبة بحقوقهم الأساسية، فإن المشكلة لا تكون في المعلمين، بل في السياسات التي أوصلت الأمور إلى هذا الحد.
في السودان اليوم، تتصاعد أصوات المعلمين من مختلف الولايات مطالبة بتحسين الأجور وصرف المستحقات المالية المتأخرة وإصلاح أوضاع الخدمة. لكن المؤسف أن هذه المطالب، التي تمثل الحد الأدنى من الحقوق المهنية والإنسانية، لا تزال تواجه بالتجاهل والتسويف، وكأن من يديرون الشأن العام لا يدركون خطورة ما يحدث داخل قطاع التعليم.
لقد أعلنت لجان المعلمين في ولاية الخرطوم وغيرها من الولايات برامج متدرجة للإضراب بعد أن استنفدت وسائل المخاطبات والمذكرات والانتظار. وهذه الخطوة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكم سنوات من التدهور الاقتصادي وتآكل الأجور وانخفاض القدرة الشرائية للرواتب إلى مستويات غير مسبوقة. فأصبح المعلم الذي يحمل رسالة التربية والتعليم عاجزًا عن توفير احتياجات أسرته الأساسية، في واقع يتناقض مع أهمية الدور الذي يؤديه داخل المجتمع.
إن تجاهل مطالب المعلمين لا يهدد أوضاعهم المعيشية فقط، بل ينسف العملية التربوية والتعليمية من جذورها. فالتعليم لا يقوم على المباني واللوائح الإدارية وحدها، وإنما يقوم أولًا على المعلم. وعندما يفقد المعلم الاستقرار النفسي والاقتصادي، فإن ذلك ينعكس مباشرة على البيئة التعليمية وعلى جودة التعليم ومستقبل الطلاب.
والأخطر من ذلك أن استمرار الأزمة قد يدفع مزيدًا من الكفاءات التربوية إلى مغادرة المهنة أو البحث عن مصادر دخل بديلة، وهو ما يعني فقدان المؤسسات التعليمية لخبرات تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل والتدريب. وفي بلد يعاني أصلًا من آثار الحرب والنزوح وتراجع الخدمات، فإن خسارة الكادر التعليمي تمثل ضربة جديدة لمستقبل الأجيال القادمة.
ما يثير القلق أيضًا أن التعامل مع الأزمة ما زال يدور في دائرة ردود الأفعال بدلاً من البحث عن حلول جذرية. فالمعلمون لا يطالبون بامتيازات استثنائية، وإنما يطالبون بأجور تتناسب مع تكاليف المعيشة، وبحقوق وظيفية تكفل لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة. وهي مطالب منطقية لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض دون الاستجابة لها.
إن الحكومات تُقاس بقدرتها على إدارة الخدمات الأساسية وحماية الفئات التي تحمل أعباء الدولة اليومية. والمعلمون يقفون في مقدمة هذه الفئات، لأنهم المسؤولون عن إعداد الأطباء والمهندسين والموظفين وكل الكوادر التي تعتمد عليها الدولة في المستقبل. لذلك فإن إهمال قضاياهم لا يمثل فشلًا في إدارة قطاع التعليم فقط، بل يعكس خللًا أوسع في ترتيب الأولويات.
وإذا كانت السلطات حريصة فعلًا على استقرار العام الدراسي وحماية العملية التعليمية، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر تجاهل المطالب أو تأجيل الحلول، بل عبر حوار جاد واستجابة عملية تعيد للمعلم مكانته وحقوقه. فالمعلم الذي يشعر بالإنصاف قادر على العطاء والإبداع، أما المعلم الذي يواجه الضيق الاقتصادي والإهمال، فلن يكون وحده الخاسر، بل سيخسر معه الطلاب والمدارس والوطن بأكمله.
إن مستقبل السودان يبدأ من الفصل الدراسي، وأول خطوة لحماية هذا المستقبل هي احترام المعلم وإنصافه. فالأمم التي تبخل على معلميها بحقوقهم، تدفع لاحقًا ثمن ذلك من استقرارها وتنميتها ومستقبل أبنائها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.