لم يعد يخفي علي احد، ان من راقب بإمعان شديد وبدقة متناهية ما جرى سابقا ويجري حاليا في الساحة السياسية منذ ابريل ٢٠١٩ وحتى اليوم من عظائم الأمور وأهوال الأحداث الدامية، يجد ان الخلافات البالغة الحدة، والانشقاقات العميقة قد وسعت الهوة بين المدنيين ساهمت بقدر كبير في تفتتت المكون المدني، وأضعفت من قوة الأحزاب السياسية، وأضرت كثيرا بعمل تنظيمات المجتمع المدني والتشكيلات السياسية المختلفة، وكلها سلبيات لم تعد تخفي علي احد وكتبنا عنها كثيرا ونشرت الصحف والمواقع السودانية والاجنبية، وان أعداد المحن والرزايا التي خرجت من تحت رؤوس السودانيين أصبحت تتفاقم في ازدياد مضطرد كل يوم، حتى وصلت أحوالنا المزية الى حد يصعب وقفها او علاجها.
هي كلها خلافات وانشقاقات في غاية الخطورة لم تعرف البلاد لها مثيل من قبل، وأصبحت الاوضاع سيئة للغاية بيد المواطنين انفسهم، واصبحت احوال الأفراد والجماعات مزرية بسبب المشاكل وعدم اتفاق الجميع علي كلمة تجمعهم سواء يتفق الجميع عليها بلا تفرق أو تمييز، لقد اصبح من رابعة المستحيلات اصلاح الأخطاء الكثيرة التي غرست مخالبها بقوة في كل شبر بالبلاد واستحكمت حلقاتها في نفوس ملايين المواطنين الذين لم يعودوا كما كانوا قبل حرب ٢٣/ أبريل ٢٠٢٣.
والشيء المأساوي في الأمر، أن التكتلات السياسية المتعددة التي فاق عددها اكثر مائة جهة، والتي تضم المثقفين واساتذة الجامعات وعلماء الدين، ورؤساء الاحزاب العلمانية والدينية، وقادة تنظيمات المجتمع المدني، والمهتمين بالشأن الصحفي والإعلامي، وزعماء القبائل والعشائر، ورؤساء النقابات العمالية والمهنية، وكبار المسؤولين في الاتحادات والمنظمات المختلفة، كلهم بلا استثناء يرفضون في عناد شديد رفض التوجيهات والحوار بشكل قاطع فيما بينهم من أجل سودان جديد خالي من الحرب، ومن هيمنة العسكر وحكم الاسلاميين المتطرفين وبقايا فلول النظام السابق البائد.
هناك مقولة معروفة ومتداولة بشكل واسع في البلاد العربية مفادها: (اتفق العرب الا يتفقوا)، ولكن الكثيرين من السودانيين خاصة القدامي والكبار في السن، يعرفون أن هذه المقولة، اصلا كانت موجودة في السودان قبل أن تكون مقولة عربية.
ففي عام ١٩٢٤ برزت أولى الشقاقات السياسية بين السودانيين مع بداية عمل “جمعية اللواء الابيض، عندما نشب خلاف كبير بسبب كيفية التعامل مع الوجود المصري، ومنذ ذلك العام قبل (١٠٢) عاما وحتي اليوم -و(السودانيين اتفقوا الا يتفقوا على أي شيء حتى وان كان في صالحهم!!)-.
هناك أيضا المثل المعروف عالميا ومفاده (فرق تسد)، هي قاعدة سياسية وعسكرية تعني تقسيم صفوف الخصم إلى أجزاء ضعيفة ومتباينة يسهل السيطرة عليها، وتعتمد هذه السياسة على بث الفتن، ومنع أي اتحاد محتمل بين قوى المجتمع، واستغلال الخلافات لإضعاف الجميع.
ومن يعاين بدقة في جوهر هذا المثل، يجد انه مثل سيء قد وجد له مكانة كبيرة بين السودانيين وبصورة لم تكن اصلا موجودة بهذا الشكل المريع من قبل، وان السلطة العسكرية الحاكمة في بورتسودان، بالتعاون الوثيق مع الحركة الاسلامية بقايا الفلول السابق، هم أول من استفادوا في تفريق السودانيين وتقسيمهم إلى (أكوام) مجموعات متنافرة، وتشكيلات عسكرية وحركات مسلحة متعددة الاشكال والاهداف، وصل عددها في دارفور فقط الي (٨٥) قابلة للازدياد، وزرعوا الاحقاد والتفرقة العنصرية وتهميش الاقليات، وقاموا بتطبيق سياسة التعيينات السياسية والعسكرية والدبلوماسية لفئات معينة بهدف التفريق بينهم وآخرين.
لم يعد يخفي علي احد، ان الخلافات وانشقاقات المدنيين فيما بينهم هي التي مكنت البرهان في أن يبقى بالحكم سبعة أعوام ويطمع في المزيد، وانه في ظل هذه الخلافات التي لا تنتهي، أصبحت القوات المسلحة هي القوة المسيطرة علي كل الأمور علي حساب الشعب الذي أطاح بالنظام العسكري عام ٢٠١٩، والشيء الغريب الذي لا نفهم له سبب، ان الجميع في السودان اليوم، يعرفون حق المعرفة أن هذه الانشقاقات والخلافات، وعدم ميلهم للحوار والاتفاق على مصلحة الجميع بلا استثناء، وتعمدهم تفشيل اللقاءات والاجتماعات والندوات المحلية والدولية، هي من أكبر السلبيات التي أضرت البلاد.
ومع ذلك، فان هناك غالبية من السياسيين والمثقفين الذين يقودون العمل السياسي، غير راغبين وباصرار شديد علي عدم الاتفاق فيما بينهم، بل ومصرين علي ابقاء الحال المزري على ما هو عليه الآن!!
المشكلة في السودان اليوم تكمن في، إن الخلاف السياسي قد تحول إلى “عداوة مطلقة” وصراع وجودي الغاية فيه إلغاء الآخر هو المأزق الأكبر، هذا الاستقطاب الحاد يقضي على فرص الحلول السلمية ويحول السياسة من أداة لإدارة التنوع وبناء الدولة إلى امتداد للحرب.
ومظهر أزمة العداوة المطلقة يتلخص في:
١/- التخوين والتجريم: غياب محاولة الفهم المتبادل واستبدال برامج العمل السياسي بخطاب الإقصاء.
٢/- احتكار الحقيقة: ادعاء كل طرف بأنه يمثل الصواب المطلق بينما خصمه هو الخطأ المطلق.
٣/- ثقافة الغبينة: تحرك المكونات السياسية بدفع من مشاعر الظلم والثأر التاريخي بدلاً عن المصالح الوطنية العليا.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.