في اللحظات المصيرية التي تمر بها الأمم، تصبح وحدة القوى الوطنية والديمقراطية ضرورة لا ترفًا سياسيًا. والسودان اليوم يواجه واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا منذ الاستقلال، في ظل حرب مدمرة، وأزمة إنسانية متفاقمة، وانهيار اقتصادي غير مسبوق، وتراجع حاد في الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبرز الحاجة الملحة إلى توحيد صفوف القوى المدنية والسياسية حول مشروع وطني جامع يضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الحزبية والتنظيمية الضيقة.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن الانقسامات بين القوى المدنية كانت دائمًا من أبرز العوامل التي أضعفت فرص التحول الديمقراطي، وفتحت المجال أمام القوى المنظمة والأكثر تماسكًا للتمدد داخل مؤسسات الدولة وإعادة إنتاج نفوذها. ومن هنا، يرى كثير من المراقبين أن استمرار التباينات والخلافات بين القوى المدنية والسياسية يمنح خصوم المشروع الديمقراطي مساحة أوسع للمناورة والتأثير على مسار الأحداث.
وتعتقد قطاعات واسعة من الناشطين والسياسيين أن الحركة الإسلامية السودانية لا تزال تسعى إلى استعادة نفوذها السياسي الذي فقدته عقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، مستفيدة من حالة الحرب والاستقطاب والانقسام التي تشهدها البلاد. ويرى هؤلاء أن بعض القوى المرتبطة بالإسلاميين ما زالت تراهن على إضعاف خصومها المدنيين وتفكيك أي جبهة موحدة يمكن أن تشكل عقبة أمام عودتها إلى مركز القرار السياسي.
وبغض النظر عن المواقف المختلفة، فإن الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أن السودان لن يخرج من أزمته الحالية عبر المزيد من الانقسامات. فالتحديات التي تواجه البلاد أكبر من أن تتصدى لها جهة واحدة أو حزب واحد أو تيار سياسي منفرد. كما أن بناء السلام واستعادة الاستقرار وإعادة إعمار ما دمرته الحرب تتطلب توافقًا واسعًا بين مختلف المكونات الوطنية.
إن القوى المدنية والسياسية مطالبة اليوم بتجاوز خلافاتها الثانوية والتركيز على القضايا الكبرى التي تمس حياة المواطنين. فالسوداني الذي يعاني من انقطاع الكهرباء وشح المياه وارتفاع الأسعار وفقدان الخدمات الصحية والتعليمية لا ينتظر سجالات سياسية لا تنتهي، بل ينتظر مشروعًا وطنيًا يعيد الأمل ويضع حدًا لحالة الانهيار المستمرة.
كما أن وحدة الصف المدني تمثل رسالة مهمة للمجتمع السوداني مفادها أن القوى الديمقراطية قادرة على إدارة اختلافاتها بصورة مسؤولة، وأنها تمتلك رؤية مشتركة لمستقبل البلاد تقوم على السلام والديمقراطية وسيادة القانون واحترام الحقوق والحريات.
لقد أثبتت التجارب أن القوى التي تتوحد حول أهداف واضحة تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق التغيير. أما الانقسام والتشرذم فلا ينتجان سوى المزيد من الضعف وإطالة عمر الأزمات. ولذلك فإن مسؤولية المرحلة الحالية تفرض على القوى المدنية والسياسية أن تضع جانبًا حسابات المكاسب الضيقة، وأن تعمل على بناء جبهة وطنية واسعة تدافع عن مشروع الدولة المدنية الديمقراطية وتحمي تطلعات السودانيين في السلام والاستقرار والعدالة.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى أكبر قدر ممكن من التوافق الوطني. وكل خطوة نحو الوحدة تمثل خطوة نحو الخروج من الأزمة، بينما يمثل استمرار الانقسام هدية مجانية لكل القوى التي تستفيد من إضعاف المشروع الوطني الجامع وإطالة أمد الصراع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.