في ظل الأوضاع الاقتصادية المعقدة التي تعيشها ولاية غرب دارفور نتيجة الحرب وتداعياتها المباشرة على الأسواق ومستوى دخل الأسر، برزت خلال الفترة الأخيرة جملة من التدخلات الحكومية والإنسانية الهادفة إلى تخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين، لا سيما الشرائح الضعيفة والنازحين الذين تزايدت أعدادهم بمدينة الجنينة ومحليات الولاية المختلفة.
وتتمثل أبرز هذه الجهود في افتتاح الإدارة المدنية بولاية غرب دارفور مركزًا للبيع المخفض بمدينة الجنينة، كمحاولة عملية للتعامل مع الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية، وإيجاد بدائل أقل تكلفة للمواطنين. ويعكس هذا المشروع إدراك حكومة الولاية لحجم الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر، خصوصًا في ظل فقدان كثيرين لمصادر دخلهم واعتمادهم المتزايد على المساعدات. وقد أكدت الإدارة المدنية أن المركز غير ربحي ويهدف بالأساس إلى توفير السلع الضرورية بأسعار تقل بشكل واضح عن أسعار السوق، بما يسهم في إعادة قدر من التوازن ويحد من جشع بعض التجار، وفقًا لتصريحات المسؤولين.
ويمثل هذا التدخل، من حيث المبدأ، خطوة مهمة في اتجاه حماية الفئات الأكثر هشاشة، خاصة النازحين الذين لا يمتلكون في كثير من الأحيان القدرة على مجاراة أسعار الأسواق. كما أن إعلان وزارة المالية بالولاية عن نيتها توسيع المشروع ليشمل محليات وأحياء أخرى يعكس توجهًا لمعالجة المشكلة على نطاق أوسع، رغم التحديات المرتبطة بضعف الموارد وشح الإمكانيات المالية، لاسيما أن ميزانية المشروع تتجاوز 120 مليار جنيه، وهو رقم كبير قياسًا بقدرات الولاية الحالية.
إلى جانب مشروع البيع المخفض، جاء انطلاق مشروع دعم الخبز بمدينة الجنينة ليشكل تدخلًا مباشرًا في واحدة من أكثر السلع حساسية وتأثيرًا على حياة المواطنين.
فخفض سعر الخبز إلى النصف لمدة شهرين، بدعم من المجلس النرويجي للاجئين، أسهم بصورة ملحوظة في تخفيف الضغط اليومي على الأسر، خاصة محدودة الدخل. وقد رافق تنفيذ المشروع ترتيبات فنية ورقابية واضحة، شملت تحديد وزن الرغيفة وسعرها، وإجراء مسوحات ميدانية لتحديد حصص المخابز، إلى جانب إلزام أصحاب المخابز بتعهدات رسمية تضمن الالتزام بالضوابط.
وأظهرت المؤشرات الأولية توفر الخبز بصورة أفضل في المخابز المشمولة بالمشروع، وهو ما يعكس نجاحًا نسبيًا في ضبط السوق ومنع التلاعب خلال فترة التنفيذ، بدعم من الرقابة الحكومية والتنسيق مع اتحاد المخابز والجهات المنفذة. كما يعكس المشروع نموذجًا للتكامل بين الجهد الحكومي والتدخلات الإنسانية، خاصة في ظل محدودية قدرة الدولة وحدها على مواجهة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تثير تساؤلات جوهرية حول الاستدامة. فمشروع دعم الخبز محدد زمنيًا بشهرين فقط، ومع انتهاء فترة الدعم يظل الخوف قائمًا من عودة الأسعار إلى الارتفاع، وربما بوتيرة أسرع، في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية وشح الدقيق وارتفاع تكاليف التشغيل. كما أن مراكز البيع المخفض، رغم أثرها الإيجابي، تعتمد بشكل كبير على توفر التمويل والسلع، وهو ما قد يصعب ضمانه على المدى المتوسط والطويل في ظل الإمكانيات الشحيحة لحكومة الولاية.
وتبرز هنا معضلة أساسية تتمثل في قدرة حكومة ولاية غرب دارفور على الاستمرار في مثل هذه المشروعات أو توسيعها لتشمل مناطق أخرى خارج مدينة الجنينة. فنجاح التجربة في نطاق محدود لا يعني بالضرورة سهولة تعميمها، خاصة مع ضعف الإيرادات المحلية وتزايد الاحتياجات الإنسانية وغياب الاستقرار الاقتصادي. وهو ما يجعل مستقبل هذه التدخلات مرهونًا بمدى استمرار الدعم من المنظمات، وقدرة الحكومة على ابتكار آليات أكثر استدامة توازن بين حماية المواطن وضبط السوق دون الاعتماد الكلي على الدعم المؤقت.
في المحصلة، تعكس مشروعات تخفيف أعباء المعيشة ودعم الخبز بولاية غرب دارفور استجابة ضرورية لواقع اقتصادي ضاغط، وتمنح المواطنين متنفسًا مؤقتًا في مواجهة الغلاء، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام أسئلة صعبة حول ما بعد الدعم، وكيفية الانتقال من حلول إسعافية إلى سياسات أكثر استقرارًا تضمن عدم عودة الأزمة بصورة أشد قسوة على المواطنين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.