طيف أول:
اركضوا في حقول الخوف، بالذعر الذي يتلبسكم، فكل سترات الزيف أصبحت أمام مواسم الريح بالية!
وبما أن لجنة التفكيك هي الشريان الأورطي الذي يغذي جسد الثورة بالدم المؤكسد، فقد حاول الكيزان بخطط فاشلة قطع ذلك “الوتين” بصفته نياط قلب الثورة النابض.
ولا شك أن البيان الذي أعلنت فيه اللجنة استئناف عملها ومواصلة التفكيك برئاسة عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان، كان خبرًا له وقعه الخاص على قلب كل وطني غيور شهد إجرام هذا النظام الذي عاث في الأرض فسادًا حتى ظنّ المفسدون أنهم مصلحون.
ولقد أثلج الخبر صدور الملايين من أنصار الثورة والتغيير، وكان بمثابة “عيدية” لهم
ومن قبل، أكدت اللجنة أنها تمتلك من الملفات والبيانات ما يجعلها قادرة على ملاحقة المعتدين على المال العام. وبالرغم من أن قرار عودة التفكيك مثّل خبرًا صاعقًا وقع على ظهر الإسلاميين “المكسور”، وزلزل ثباتهم وأمانهم، فإن قلوبًا كثيرة ارتجفت من خبر العودة، خاصة أولئك الذين أعاد لهم أبو سبيحة أموالهم بإشراف إبراهيم جابر، فنقلوها إلى الخارج واشتروا الأبراج السكنية وأجّروها للشعب الذي قتلوه وشردوه. فهناك أسماء عديدة ممن نزعت اللجنة أموالهم أصبحوا اليوم كبار المستثمرين بالخارج.
ومع أن الخبر يمثل ضربة قاضية لهؤلاء اللصوص، إلا أن ما يحمله من بعد سياسي أكبر من قضية التفكيك نفسها. فلماذا أعلنت اللجنة عودتها في هذا التوقيت؟
وما الذي يمكن قراءته من الصفحة الثانية
فالقرار قد يفصح عن أن اللجنة وجدت الآن المناخ المناسب بعد تصنيف الإخوان جماعة إرهابية، وهو تصنيف يسهل كثيرًا من مهامها، إذ تستخدم آلة التصنيف كمفك جديد لفكفكة التنظيم (صامولة صامولة).
فالقانون الدولي سيلاحق نظام الثلاثين من يونيو داخليًا وخارجيًا بأدوات متقدمة، ومهمة اللجنة هي تزويد آلة التفكيك بالمعلومات والبيانات، وهي عملية تحديث خطيرة قد يكون لها أثر كبير.
لكن بما أن التفكيك داخليًا يحتاج إلى حائط سد يستند عليه، وهو غير متوفر في السودان حيث الحكومة تحت قبضة الإخوان والجهاز القضائي والشرطة، فإن هذا يؤكد أن قرار عودة اللجنة لم يكن صدفة. فالقرار في هذا التوقيت يعني أن الحكومة المدنية حصلت على ضوء أخضر لاستعادة مكانتها السياسية، أي أن المجتمع الدولي يدعم حكومة حمدوك لفترة انتقالية مقبلة، وهو ما يعني إسقاطًا كاملًا لوجود الحكومة في بورتسودان.
كما يكشف القرار عن إغلاق باب التعاون الدولي مع حكومة الأمر الواقع، وربما يعيد الحسابات السياسية الدولية جديًا في طريقة طرح وتنفيذ خطة استعادة الحكم المدني.
فبعد أن كانت أمريكا ترى ضرورة تشكيل حكومة تكنوقراط لخلق توازن سياسي بين القوى المدنية، قد تتجه الآن إلى طرح فترة انتقالية تعيد حكومة حمدوك التي أطاح بها البرهان بالبندقية، لقيادة مرحلة ما بعد وقف الحرب.
وبسبب خلو الميدان السياسي من اللاعب الجيد، فإن تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية أفقد كيانات سياسية أخرى كانت ولازالت تدعمهم في الحرب، مما أدى إلى تراجع مكانتهم.
فبعد أن كان المجتمع الدولي يضع لهم اعتبارًا سياسيًا ويلجأ إلى خيار التكنوقراط لإرضاء جميع الأطراف، لكن جاءت عملية بتر النظام باعتباره رأس البلاء المؤجج للحرب، لتحوّل القوى السياسية الداعمة له إلى أطراف صناعية بلا روح.
لذلك، فإن الخبر لا يحمل فقط قرار عودة لجنة التفكيك، بل يمهّد لعودة حكومة مدنية كاملة ظلت تعمل من أجل وقف الحرب، وخلقت لنفسها مساحة وجود دولية وإقليمية، وحظيت بقبول خارجي غير مسبوق، فضلًا عن كونها تمثل خط الثورة وتسعى لتحقيق أهدافها.
حتى حماس كلمات البيان يجعل القارئ يشعر،بلغة خطاب واثق ، بالإضافة إلى الغزل الصريح بين اللجنة والقوى الثورية، وكأنه يحكي عن موعد قريب غير معلن، إشارة التقطها الشارع الثوري بسرعة وقال لها: لبيك!
كما أن البيان ذكر أن اللجنة سيرأسها عضو مجلس السيادة ” الشرعي” محمد الفكي، ولم يقل “السابق”، فإعادة وتعديل الصفة تعني أن اللجنة تقف على أرضية صلبة تتجاوز بها خطوط الشك التي تجعل معارضيها ينظرون إلى البيان على أنه مجرد كسب سياسي. فالتفكيك والتصنيف عناصر ستكمل بعضها لتأتي بنتيجة حتمية: زوال إمبراطورية الكيزان إلى الأبد.
فأهلاً بالتفكيك.
طيف أخير:
قالت مصر أمس الأول إنها قضت بحكم نهائي بإدراج قيادات إخوانية على «قوائم الإرهاب».
ولكن، ماذا أرادت بهذا أن تقول لحكومة السودان؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.