عندما يُستهدف الرداء الأبيض… بين واجب العلاج وشبهة الاستخبارات
في تطورٍ أثار موجةً من القلق في الأوساط الحقوقية والطبية، فجّرت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها قائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بشأن تعاون أطباء في مناطق خارج سيطرة الجيش لمدّ غرف العمليات بمعلومات استخباراتية، جدلاً واسعاً حول مصير ما تبقى من الكوادر الطبية في السودان خلال الحرب الدائرة.
هذا التصريح، الذي وصفه مراقبون بأنه «إقحام مباشر» للكوادر الطبية في أتون الحرب، وتفريطٌ غير مبرر في أمنهم الشخصي، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستهداف ضد «أصحاب الرداء الأبيض». فالنتيجة المباشرة لهذا الكشف لا تقتصر على توقف تدفّق المعلومات، بل تمتد إلى تحويل كل طبيب يعمل في الميدان إلى «متهمٍ بالجاسوسية» حتى تثبت براءته، مما يجعل حياتهم عرضةً للتنكيل والاعتقال التعسفي والتصفية الجسدية.
الحياد الطبي… إرث في مهب الريح
تاريخياً، استندت حصانة الأطباء في الحروب إلى مبدأ «الحياد الطبي»؛ فالطبيب يعالج الصديق والعدو على حد سواء. وهي قيمة جسّدها قادة عبر التاريخ، مثل صلاح الدين الأيوبي، الذي أرسل أطباءه لعلاج خصومه.
الخطر القانوني
ينزع هذا التصريح عن الأطباء صفة «المدنيين المحميين» بموجب القانون الدولي الإنساني، ويحوّل المنشآت الطبية من «أعيان مدنية» إلى «أهداف عسكرية» محتملة، تحت ذريعة أنها مراكز لجمع المعلومات والعمل الاستخباري.
الخطر الميداني
مع وجود أكثر من 50% من الكوادر الطبية السودانية في مناطق لا تخضع لسيطرة الجيش، تُعدّ هذه التصريحات بمثابة «حكم بالإعدام» أو «أمر طردٍ قسري» لما تبقى من الكفاءات الطبية، التي تخشى على حياتها من ردود الفعل الانتقامية للقوات المسيطرة على تلك المناطق.
تداعيات «حرق الأوراق»… الضحية المواطن
إن المتضرر الأول من هذا المسلك ليس الطبيب وحده، بل المواطن السوداني المنهك من الحرب:
عسكرة المستشفيات
من المتوقع أن تفرض القوات المسيطرة رقابةً أمنيةً مشددة، أو أن تُغلق المستشفيات تماماً، لمنع أي «تسريب» مفترض للمعلومات.
النزوح الطبي القسري
سيضطر الأطباء إلى الفرار من تلك المناطق حفاظاً على حياتهم، مما يخلق فراغاً صحياً حاداً قد يؤدي إلى وفاة الآلاف من أصحاب الأمراض المزمنة وجرحى العمليات، الذين لا ناقة لهم في الحرب ولا جمل.
رصاصة في جسد الإنسانية
إن استخدام «النجاح الاستخباري» (إن وُجد) كأداة للدعاية السياسية والإعلامية يمثل تضحيةً صريحةً بسلامة مئات الأطباء الذين اختاروا البقاء لخدمة أهلهم في أقسى الظروف. ففي الحروب، يُعدّ الصمت السلاح الأقوى لحماية الحلفاء والمصادر، أما «الثرثرة العسكرية» فثمنها يُدفع، في الغالب، من دماء الكوادر الطبية ومستقبل الخدمة الإنسانية في البلاد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.