فجر غياب قائد قوات «درع السودان»، اللواء أبو عاقلة كيكل، عن مراسم تشييع وعزاء شقيقيه، إلى جانب ضباط ومدنيين من قوات «درع السودان»، موجة واسعةً من التساؤلات، في وقت تتصاعد فيه الروايات المتداولة بشأن الجهة التي تقف وراء الهجوم بطائرة مسيّرة، والذي أودى بحياة 19 شخصًا في منطقة الكاهلي زيدان بولاية النيل الأبيض.
ولم يظهر اللواء ابوعاقلة كيكل، وفق ما رصدته «عين الحقيقة» من مصادر ميدانية وشهادات متقاطعة، لا في موقع المقابر ولا في سرادق العزاء، رغم الحضور الرسمي اللافت، وعلى رأسه قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي قدّم واجب العزاء ميدانيًا، في خطوة أثارت بدورها جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية.
وبينما لم تصدر أي إفادة رسمية من كيكل أو مكتبه توضح أسباب الغياب، تعددت التفسيرات في الأوساط المحلية بين من يرجّح دوافع أمنية مرتبطة بمخاوف استهداف محتمل، ومن يرى أن الغياب يعكس تعقيدات أعمق في شبكة العلاقات داخل المعسكر الحليف للجيش.
الهجوم الذي وقع بطائرة مسيّرة خلال الأيام الماضية استهدف تجمعًا في منزل أسرة كيكل بقرية ود الكاهلي، وأسفر عن مقتل شقيقي كيكل و17 آخرين، وسط حالة من الغموض حول الجهة المنفذة.
وتداول ناشطون اتهامات من جهات متعددة تشير إلى ضلوع «كتيبة البراء بن مالك»، إلا أن هذه المزاعم لم تحظَ بتأكيد رسمي من أي جهة في حكومة بورتسودان حتى الآن.
ويأتي هذا الهجوم في سياق مشهد أمني معقد، يتسم بتعدد الفاعلين المسلحين إلى جانب الجيش السوداني وتداخل خطوط السيطرة، ما يجعل تحديد المسؤوليات في مثل هذه الحوادث أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة في ظل غياب تحقيقات معلنة أو شفافة.
ويرى مراقبون أن غياب كيكل عن حدث شخصي بهذا الحجم يتجاوز البعد الأمني، ويطرح تساؤلات حول موقعه داخل التحالفات العسكرية الراهنة، وطبيعة علاقته ببقية التشكيلات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش.
وتُعد «درع السودان» واحدة من أبرز تشكيلات المليشيات المتحالفة مع الجيش، والتي برزت خلال الحرب، لا سيما منذ 15 أبريل، بعد إعلان كيكل انشقاقه عن قوات الدعم السريع وانحيازه إلى الجيش، إلا أن وضع هذه القوات ظل محل نقاش، في ظل عدم دمجها رسميًا ضمن هياكل القوات المسلحة.
ويعيد الحادث إلى الواجهة الجدل حول ما يصفه منتقدون بسياسة «تمليش» الجيش، أي الاعتماد المتزايد على مجموعات مسلحة موازية خارج الإطار المؤسسي التقليدي، وهو ما يخلق بيئة معقدة من الولاءات المتداخلة، ويزيد من مخاطر الاحتكاك الداخلي.
كما يربط بعض المراقبين بين حادثة المسيّرة والتوترات غير المعلنة داخل هذا المعسكر، مشيرين إلى أن تعدد مراكز القوة، وامتلاك بعض الفصائل قدرات قتالية مستقلة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، قد يفتح الباب أمام صراعات خفية يصعب تتبعها أو احتواؤها.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن استمرار غياب الشفافية في التحقيقات، وتنامي ظاهرة السلاح خارج الأطر النظامية، ينذران بمزيد من التعقيد في المشهد الأمني، ويضعفان فرص بناء مؤسسة عسكرية موحدة في مرحلة ما بعد الحرب.
ورغم حساسية الحادثة، لم تصدر حتى الآن أي بيانات رسمية توضح ملابسات الهجوم أو تحدد المسؤولين عنه، ما يترك المجال مفتوحًا أمام التكهنات، ويزيد من حالة الاحتقان في الرأي العام.
وفي ظل هذا الغموض، تتزايد الاتهامات الموجّهة إلى التيار الإسلامي بوصفه أحد أبرز الفاعلين داخل معسكر السلاح، ودوره في ترسيخ واقع «التمليش» وتعدد مراكز القوة، بما يضع تماسك الجيش السوداني على المحك، ويفتح الباب أمام صراعات داخلية أكثر تعقيدًا وخطورة، في ظل غياب تحقيقات شفافة وحاسمة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.