لم يعد توصيف الإسلام السياسي في السودان باعتباره “سرطاناً” في جسد الدولة مجرد تعبير غاضب أو مجازٍ سياسي، بل صار عند كثيرين قراءةً لواقعٍ تراكمت فيه الأزمات حتى انفجرت في وجه الجميع. هذا التيار، الذي حكم البلاد لثلاثة عقود، لم يكتفِ بإدارة السلطة، بل أعاد تشكيل الدولة على أسس إقصائية، عمّق بها التناقضات الاجتماعية، ووسّع فجوات الظلم التاريخي بين المركز والهامش، حتى أصبح السودان ساحة مفتوحة للأزمات المتناسلة.
منذ انقلاب 1989، عملت الحركة الإسلامية على تمكين كوادرها في مفاصل الدولة، عبر مشروعٍ لم يكن وطنياً بقدر ما كان أيديولوجياً مغلقاً. فتم تفكيك مؤسسات الدولة المهنية، واستبدالها بشبكات ولاء، وتسييس الجيش والأمن، وربط الاقتصاد بمصالح تنظيمية ضيقة. هذه السياسات لم تُضعف الدولة فحسب، بل أسست لانقسامات عميقة، غذّت الحروب في الأطراف، وخلقت شعوراً واسعاً بالتهميش والإقصاء.
حين اندلعت ثورة ديسمبر 2019، لم تكن مجرد احتجاج على تدهور الأوضاع الاقتصادية، بل كانت لحظة وعي جماعي ضد مشروع الإسلام السياسي نفسه. سقط النظام، لكن المشروع لم يسقط بالكامل. فقد احتفظت الحركة الإسلامية بشبكاتها داخل المؤسسات، وبقدرتها على المناورة، بل وسعت منذ ذلك الحين إلى إعادة ترتيب صفوفها، مستفيدة من هشاشة المرحلة الانتقالية وصراعات القوى المدنية والعسكرية.
اليوم، تبدو الحرب في السودان أكثر من مجرد صراع على السلطة بين جنرالات؛ إنها، في أحد وجوهها، تعبير عن محاولة قوى الإسلام السياسي العودة إلى المشهد عبر الفوضى. فالحرب، بما تخلقه من انهيار مؤسسي وتفكك اجتماعي، تمنح هذه القوى فرصة لإعادة تقديم نفسها كـ”منقذ” أو كقوة منظمة وسط الفوضى. إنها ورقة المساومة الأخيرة: إما القبول بعودتهم، أو استمرار النزيف.
لكن هذه المقاربة، تحمل في طياتها مقامرة خطيرة بمصير وطن كامل. فالحروب لا تعيد الشرعية، بل تعمّق الانهيار، ولا تصنع قبولاً شعبياً، بل تكرّس الكراهية والانقسام. والرهان على “العودة عبر الدم” قد يمنح مكاسب تكتيكية مؤقتة، لكنه يدفن أي إمكانية لبناء دولة مستقرة على المدى البعيد.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمكن للسودان أن يتعافى دون تفكيك جذري لبنية الإسلام السياسي التي تغلغلت في الدولة؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ بالاعتراف بأن الأزمة ليست طارئة، بل هي نتاج عقود من التسييس الأيديولوجي للدولة. كما تتطلب بناء مشروع وطني جديد، يقوم على المواطنة والعدالة، ويعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة المهنية بعيداً عن الولاءات الضيقة.
إن إنهاء الحرب في السودان ليس فقط ضرورة إنسانية، بل هو أيضاً شرط أساسي لإغلاق الباب أمام أي محاولة للعودة إلى السلطة عبر الفوضى. فالدولة التي تُبنى على الدم، تظل رهينة له، ولا تعرف طريقاً للاستقرار.
في النهاية، قد يكون الإسلام السياسي قد لعب أوراقه كلها، ولم يبقَ له سوى ورقة الحرب. لكن الشعوب التي دفعت أثماناً باهظة من دمائها وكرامتها، لن تقبل بسهولة أن تُحكم مرة أخرى بذات الأدوات التي قادتها إلى الهاوية. السودان اليوم يقف على مفترق طرق: إما أن يطوي صفحة هذا المشروع إلى الأبد، أو أن يظل عالقاً في دوامة لا تنتهي من العنف والانهيار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.