المبادرة الرباعية للسودان: هدنة إنسانية تمهّد لانتقال مدني أم صراع على إقصاء النفوذ؟
سيف الدولة كمال
تطرح المبادرة الرباعية الخاصة بالسودان مسارًا مرحليًا يهدف، وفق ما يُتداول في الأوساط السياسية، إلى كسر حلقة الحرب المستمرة عبر هدنة إنسانية تمتد لثلاثة أشهر، تليها فترة انتقال سياسي سلمي للسلطة تستغرق تسعة أشهر، وصولًا إلى تشكيل حكومة مدنية ذات شرعية. هذا الطرح يعكس محاولة لإعادة ترتيب المشهد السوداني على أسس مدنية، بعد سنوات من التداخل المعقّد بين العسكري والسياسي.
الشق الأول من المبادرة، المتعلق بالهدنة الإنسانية، يركّز على وقف إطلاق النار وفتح الممرات الآمنة لإيصال المساعدات، في ظل تدهور غير مسبوق للأوضاع الإنسانية. أما المرحلة الثانية، فتسعى إلى إطلاق عملية سياسية تُفضي إلى نقل السلطة تدريجيًا إلى قوى مدنية، بما يعيد إحياء مسار الانتقال الذي تعثّر منذ عام 2019.
غير أن هذا المسار، في حال تطبيقه، يُفهم منه عمليًا تقليص نفوذ التيارات المرتبطة بالإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يثير جدلًا واسعًا حول مواقف الأطراف المختلفة من المبادرة. ويرى مراقبون أن رفض بعض مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية لعدد كبير من المبادرات الإقليمية والدولية السابقة لوقف إطلاق النار يعكس تعقيدات أعمق، تتعلق بتوازنات النفوذ والتحالفات الداخلية، أكثر من كونه موقفًا موحدًا أو بسيطًا.
في هذا السياق، يذهب محللون إلى أن استمرار الحرب يمنح بعض الأطراف فرصة لإعادة تشكيل موقعها التفاوضي، أو فرض نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة. كما أن تعدد المبادرات وتباين مرجعياتها الإقليمية والدولية أسهم في إرباك المشهد، وفتح الباب أمام قراءات متباينة بشأن أهداف كل مبادرة وحدود تأثيرها.
من جهة أخرى، تحذر أصوات مدنية من أن أي عملية سياسية لا تستند إلى توافق وطني واسع، ولا تعالج جذور الأزمة، قد تتحول إلى إعادة إنتاج للأزمة بشكل جديد. فالتحدي لا يقتصر على وقف الحرب، بل يمتد إلى بناء مؤسسات دولة قادرة على الاستمرار، وضمان مشاركة سياسية لا تقصي أطرافًا واسعة من المجتمع، بما يجنّب البلاد دوامة الصراعات المتكررة.
في المحصلة، تبدو المبادرة الرباعية محاولة جديدة لإعادة إطلاق مسار الحل السياسي في السودان، لكنها تصطدم بواقع شديد التعقيد، تتداخل فيه حسابات الداخل مع ضغوط الخارج. وبينما تمثل الهدنة الإنسانية حاجة ملحّة لا تحتمل التأجيل، يبقى نجاح المرحلة السياسية مرهونًا بقدرة السودانيين، بدعم إقليمي ودولي، على التوافق حول صيغة توازن بين إنهاء الحرب وبناء مستقبل سياسي مستقر.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.