خطر التصريح

أطياف - صباح محمد الحسن

(بالذهاب مباشرةً إلى عقل المؤسسة العسكرية وطبيعة الخطاب في زمن الحرب: هل كان التصريح عفوياً، “زلة لسان” في خطاب تعبوي، أم أن البرهان الخبير في مجال العمل العسكري، الذي لا يجهل قيمة سرية المعلومة، أراد أن يقول شيئاً آخر؟)

طيف أول:
الموجة جاءت ولن تعود،
ستذهب مستقبلةً ريّانها الذي تنعاه!

واتسعت دائرة الجدل حول تصريح الفريق عبد الفتاح البرهان الذي قال فيه: إن الأطباء لم يكتفوا بتقديم العلاج بل كانوا يمدّون الجيش بمعلومات عن أماكن العدو. تصريح بالغ الخطورة، ليس لأنه فقط كشف عن وجود أطباء متعاونين كانوا جزءاً لا يتجزأ من ميدان الحرب الذي راح ضحيته آلاف المواطنين، وأن بعض الأطباء كانوا يرفعون إحداثيات مباشرة مما يجعلهم شركاء في الجريمة، ولا لأنه يضع فئة مدنية محمية دولياً في موضع استهداف مباشر فتسقط عنها الحماية بالتصريح، بل لأنه أيضا كشف ما وراء الخبر، أن الجيش أثبت أنه كان يستخدم المدنيين في العمل العسكري.
فإن صرّح البرهان عن فئة الأطباء، فهل كان هناك متعاونون في فئات أخرى يبلغون عن زملاء، أو مواطنون أبلغوا عن جيرانهم
حديث البرهان يعني أن الجيش خرق قواعد الحرب، ووضع الأطباء، وغيرهم في موقع “مخبرين”، وهو ما يُعدّ انتهاكاً صريحاً.
هذا النوع من الاعترافات يُستخدم لاحقاً في التقارير الدولية، مما يُضعف موقف الجيش سياسياً ودبلوماسياً، في لحظة يسعى فيها لإقناع المجتمع الدولي بأنه “يحارب مليشيا متمردة”.
فهذا التصريح يقوّض السردية الرسمية ويمنح خصومه مادة قوية، كما أنه يُعدّ اعترافاً غير محسوب يعكس حالة ارتباك داخل القيادة العسكرية.
والملاحظ أنه، وفي مواجهة الاتهامات التي أطلقها الفريق عبد الفتاح البرهان بحق أطباء جنوب الخرطوم، اختارت لجنة الأطباء الصمت، بالرغم من أن تحديد البرهان لمنطقة جغرافية محددة يجعل الاتهام أكثر خطورة، وبالتالي يجعل الصمت أكثر إثارة للتساؤل.
وفي تقرير لـ”سكاي نيوز” أمس، قالت علا محمود، وهي طبيبة امتياز كانت تعمل في أحد المستشفيات بجنوب الخرطوم ــ المنطقة التي حددها البرهان ــ إن عدداً من المستشفيات كانت تشهد دخول كوادر جديدة في كل مرة، ويُعتقد على نطاق واسع أن معظمهم كانوا ينتمون لكتائب الإسناد التابعة لتنظيم الإخوان، أي أنهم كانوا يشكّلون الجناح المدني لكتائب الإخوان التي كانت تقود العمليات على الأرض. لكنها أردفت: من الخطر إسقاط كلام البرهان على كل الأطباء، لأن ذلك يعرّضهم لمخاطر كبيرة تتعلق بسلامتهم الجسدية والقانونية) .
وصمت لجنة الأطباء، رغم خطورة الاتهام وتحديد المنطقة، قد يكون خياراً محسوباً يقوم على حماية الكوادر، وتجنّب التصعيد، وعدم تثبيت الاتهام، وترك العبء القانوني على من أطلقه.
لكن تخابر بعض الأطباء مع أي طرف عسكري أثناء النزاع المسلح يتعارض بشكل مباشر مع القانون الدولي الإنساني، لأن الحياد الطبي ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل التزام قانوني صارم تحكمه اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها.
والذهاب مباشرةً إلى عقل المؤسسة العسكرية وطبيعة الخطاب في زمن الحرب: هل كان التصريح عفوياً، “زلة لسان” في خطاب تعبوي، أم أن البرهان الخبير في مجال العمل العسكري، الذي لا يجهل قيمة سرية المعلومة، قصد بهذا التصريح رسائل بعينها للداخل مثلاً، بأن الجيش لديه “عيون” في كل مكان، بتضخيم مصادر المعلومات، والإيحاء بأن المدنيين يقفون معهم، أو خلق صورة بأن الجيش يملك شبكة واسعة من الدعم، وفي ذات الوقت رسالة سياسية لتبرير إجراءات أو عمليات لاحقة؟
لكن، وفي ظل الفوضى التي تخيّم على الميدان والمشهد السياسي والعسكري، فهذه التصريحات ربما تُفسَّر بأنه، وفي لحظات التراجع الميداني، قد يلجأ القادة إلى تصريحات مثيرة للجدل لإشغال الإعلام والجمهور بالجدل، بدلاً من التركيز على خسائر أو انهيارات في الجبهات.
وبهذا تكون أداة خطابية تهدف إلى إشغال الداخل والخارج بقضية جانبية، بينما تُدار معركة أخرى في الكواليس.

طيف أخير:
#لا_للحرب
صمتٌ إقليمي يؤكد فشل المبادرات السياسية في خلق منصات موازية للرباعية. فهل عادت الكلمة للميدان العسكري من جديد!! المسيرات بدلاً من المسارات، الأمر الذي يعيد الكرة مرة أخرى للمجتمع الدولي. فالتصعيد الذي بدأ بخارطة مختلفة ربما يعيد الرؤية الدولية بنظرة مختلفة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.