مطار شرق العوينات … البنية اللوجستية الخفية لحرب السودان

نقلاً عن المدونة الشخصية للكاتب مجاهد بشرى

منذ اندلاع الحرب في السودان، حرصت القاهرة على الظهور في موقع “الوسيط العاقل” بخطاب رسمي متكرر يدعو إلى وقف تمويل وتسليح طرفي النزاع، ورفض الحل العسكري، والتحذير من تدويل الحرب أو انزلاقها إلى صراع إقليمي مفتوح. هذا الخطاب ارتبط مباشرة برأس السلطة في مصر، عبد الفتاح السيسي، وبوزارة الخارجية، وبالمنابر الدبلوماسية الإقليمية والدولية، لكن بعيدًا عن المنصات والكاميرات، وعلى أطراف الجغرافيا المصرية المنسية، يتشكل مسار آخر يناقض هذا الخطاب من جذوره، مسار يبدأ في مطار شرق العوينات، وينتهي في سماء السودان.

مطار شرق العوينات ليس مطارًا عابرًا في هذه القصة بل يعتبر قلبها اللوجستي، فموقعه في أقصى جنوب غرب مصر، بعيدًا عن الكتل السكانية والرقابة الإعلامية، وقريبًا من تقاطع حدودي شديد الحساسية بين مصر وليبيا والسودان، يمنحه قيمة استراتيجية لا تخطئها عين عسكرية.
المدرج الطويل القادر على استقبال طائرات نقل متوسطة وثقيلة، والعزلة الجغرافية التي تقلل احتمالات الرصد، جعلا منه بيئة مثالية لأي نشاط لوجستي عسكري يحتاج إلى العمل في الظل.

خلال الأشهر الماضية، تراكبت مؤشرات متعددة، بعضها مفتوح المصدر وبعضها ميداني، تشير إلى أن شرق العوينات لم يعد مجرد مطار مدني هامشي، بل تحوّل فعليًا إلى قاعدة لوجستية مرتبطة بحرب المسيّرات في السودان، هذه القاعدة تعني بالضرورة أن معظم الضربات تُطلق من داخل الأراضي المصرية، وتعني شيئًا أكثر خطورة واستدامة: بناء حلقة الإسناد التي تجعل تشغيل المسيّرات ممكنًا، ومتكررًا، ومنظمًا.

في هذا السياق، لا يمكن فصل دور تركيا عن المشهد، المسيّرات التركية، وعلى رأسها أكنجي، ليست مجرد طائرات تُشحن وتُستخدم ثم تُنسى، هي منظومات معقدة تحتاج إلى سلسلة لوجستية كاملة تشمل النقل، والصيانة، ومحطات التحكم الأرضي، وأنظمة الاتصال، وقطع الغيار، والتحديث المستمر، أي جهة تمتلك القدرة على تشغيل هذا النوع من المسيّرات تحتاج إلى قاعدة خلفية آمنة ومرنة، قريبة من مسرح العمليات، وبعيدة عن الضغوط السياسية والإعلامية، ومطار شرق العوينات يحقق هذه المعادلة بدقة.

المعلومات المتراكمة تشير إلى نمط حركة جوي غير اعتيادي باتجاه جنوب مصر، شمل طائرات نقل عسكرية وشحن مدني مرتبطة بمسارات تركية. هذا النمط، حين يُقرأ منفصلًا، قد يبدو قابلًا للتأويل، لكن حين يوضع في سياقه الزمني والعسكري، ويتزامن مع تصاعد حرب المسيّرات داخل السودان، يصبح دلاليًا، فالنقل ليس غاية في ذاته، بل جزء من سلسلة، وهذه السلسلة، حين تُستكمل، تفضي إلى نتيجة واحدة: تمكين عمليات عسكرية.

في الوقت نفسه، شهدنا تحوّلًا نوعيًا في السلوك المصري نفسه، ففي التاسع من يناير، نفّذت القوات الجوية المصرية ضربة مباشرة استهدفت قافلة عسكرية كانت في طريقها إلى قوات الدعم السريع عند نقطة التقاء الحدود المصرية الليبية السودانية. هذه الضربة لم تكن حدثًا أمنيًا محدودًا، بل إعلانًا صريحًا عن انتقال القاهرة من مرحلة التحذير السياسي إلى الفعل العسكري المباشر، توقيت الضربة، قبل ثمانٍ وأربعين ساعة فقط من زيارة صدام حفتر إلى القاهرة، لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل رسالة مركبة: إلى شرق ليبيا، إلى السودان، وإلى كل من يقرأ خريطة الإقليم.

هذا التحول العسكري العلني يجعل ملف شرق العوينات أكثر خطورة، لأن الدولة التي تنتقل إلى استخدام القوة على حدودها لا يمكن فصل أفعالها الميدانية عن بنيتها اللوجستية الخلفية، إذا كانت القاهرة مستعدة لضرب قوافل على المثلث الحدودي، فمن المنطقي أن تكون قد هيأت في العمق نقاط إسناد وتخزين وتحكم، تتيح لها إدارة هذا الانخراط بأقل كلفة سياسية ممكنة وهنا يعود شرق العوينات إلى الواجهة ليس كافتراض، بل كجزء من منظومة متكاملة.

التناقض الصارخ هو أن القاهرة تطالب علنًا بوقف تدفق السلاح إلى طرفي الحرب، لكنها، وفق هذا المسار، تسمح أو تشرف على تحويل جزء من أراضيها إلى قاعدة لوجستية تغذي واحدة من أخطر أدوات الحرب الحديثة، القاهرة تتحدث عن رفض الحل العسكري، لكنها عمليًا تسهم في بناء البنية التحتية التي تجعل الحسم العسكري أكثر احتمالًا، هذا ليس خطأ في التقدير، بل ازدواجية في السياسة: خطاب للاستهلاك الخارجي، وممارسة ميدانية تخدم حسابات مختلفة تمامًا.

بالنسبة للسودان، دلالات هذا المسار عميقة، الحرب لم تعد محصورة داخل حدوده، بل صارت مرتبطة بسلاسل إمداد إقليمية، وبقرارات تُتخذ خارج أراضيه، وبمنصات لوجستية لا يملك أي سيادة عليها، هذا الواقع يطيل أمد الحرب، ويعقّد أي محاولة لتسوية سياسية، ويحوّل المدنيين إلى رهائن لصراعات إقليمية تتجاوزهم.

مطار شرق العوينات، في هذا السياق، لم يعد مجرد نقطة على الخريطة بل شاهدًا ماديًا على الفجوة بين ما يُقال وما يُفعل، بين خطاب يدّعي السعي إلى السلام، وبنية لوجستية تُبنى بصمت لخدمة الحرب التي يكتوي. بنارها السودانيون وحدهم و المستفيد الأول منها مصر.
وبينما تحاول القاهرة الإمساك بالعصا من المنتصف، فإن الوقائع على الأرض تقول إن العصا انكسرت، وإن الانحياز العسكري بات حقيقة، مهما جرى تغليفه بلغة الدبلوماسية.

هذا المقال لا يقدّم ادعاءات مرسلة، ولا يراهن على الانطباع، هو قراءة متماسكة لمسار، ولتوقيت، ولجغرافيا، ولمنطق عسكري لا يخطئ، ومن يملك الأدلة الكاملة، كما في هذا الملف، لا يحتاج إلى المبالغة.
يكفيه أن يضع الوقائع جنبًا إلى جنب، ويتركها تتكلم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.