في السودان اليوم، لم تعد الحرب مجرد حدث سياسي عابر أو صراع على السلطة، بل تحولت إلى مأساة وطنية مفتوحة، تبتلع الأرواح وتفتت الدولة وتُعيد المجتمع سنوات طويلة إلى الوراء. وبينما تتصاعد أصوات السلاح، يتراجع صوت العقل، رغم أنه الصوت الوحيد القادر على إنقاذ ما تبقى من هذا الوطن المنهك.
إن التمسك بالحل السياسي لم يعد خياراً مطروحاً بين عدة بدائل، بل أصبح ضرورة ملحّة تفرضها حقائق الواقع. فلا أحد يملك القدرة على حسم هذه الحرب عسكرياً دون أن يدفع السودان ثمناً وجودياً باهظاً. التجارب من حولنا، بل ومن داخل تاريخنا القريب، تؤكد أن الحروب الأهلية لا تُنهيها البنادق، بل تُنهيها الإرادة السياسية والتوافق الوطني.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في غياب الحل السياسي، بل في غياب الحامل السياسي القادر على فرضه. فالقوى المدنية، التي يُفترض أن تكون صوت الشارع وضمير الوطن، ما زالت تعاني من انقسامات حادة، وتباينات تُضعف قدرتها على التأثير. هذا التشرذم لم يكن مجرد حالة عرضية، بل أصبح أحد الأسباب الرئيسية التي أطالت أمد الحرب، ومنحت القوى العسكرية مساحة للاستمرار دون ضغط حقيقي.
إن توحيد الجبهة المدنية ليس ترفاً سياسياً ولا شعاراً مثالياً، بل هو شرط أساسي لوقف الحرب. فبدون كتلة مدنية موحدة، تمتلك رؤية واضحة وأدوات ضغط فعّالة، سيظل الحديث عن السلام مجرد أمنيات معلّقة في الهواء. المطلوب اليوم ليس الاتفاق على كل شيء، بل الاتفاق على الحد الأدنى: وقف الحرب، حماية المدنيين، واستعادة مسار الانتقال نحو دولة مدنية ديمقراطية.
قد يبدو هذا الهدف صعباً في ظل تعقيدات المشهد، لكنه ليس مستحيلاً. فالتاريخ يُكتب في اللحظات الحرجة، وهذه واحدة من أكثر اللحظات حرجاً في تاريخ السودان. وعلى القوى السياسية أن تدرك أن استمرار الخلافات الصغيرة في زمن الكارثة الكبرى ليس سوى ترف لا يملكه أحد.
كما أن الرهان على الخارج لن يصنع سلاماً مستداماً، ما لم يكن هناك موقف داخلي موحد وقادر على فرض إرادته. المجتمع الدولي قد يدعم، وقد يضغط، لكنه لا يمكن أن يحل محل الإرادة الوطنية. وهذه الإرادة لا تتجسد إلا في جبهة مدنية موحدة، تعبر عن تطلعات السودانيين وتدافع عن حقهم في الحياة والسلام.
في النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن تواجهه القوى السياسية بصدق: ماذا نريد لهذا البلد؟ هل نريده ساحة حرب مفتوحة، أم وطناً قابلاً للحياة؟ الإجابة، مهما بدت بديهية، تحتاج إلى شجاعة لترجمتها إلى أفعال.
فالحرب لن تتوقف وحدها، والسلام لن يأتي صدفة. إنه قرار.. قرار بأن نضع الوطن فوق الحسابات، وأن نختار الحياة، الآن، وليس غداً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.